الدار البيضاء - من مصطفى واعراب: في الحوار الذي أجرته معه «الرأي العام»، يرى د. يحيى اليحياوي الخبير والمستشار المغربي لدى منظمات إقليمية ودولية في مجالات العولمة والاتصال، أن العولمة لم تلغ، الحدود بل أعادت ترسيمها فيما بين الأقطاب الفاعلة فيـها فقط، حيث صارت الشركات الكبرى تسير العالم بدل الحكومات والمنظمات، ويفسر الباحث الجامعي، الذي أصدر وهو لا يزال بعد في سن الأربعين أكثر من ثلاثين كتابا باللغة العربية ومثلها باللغة الفرنسية ضمنها خلاصة أبحاثه ودراساته حول قضايا الاتصال والعولمة، أن الانتشار الكبير للمحمول يجد تفسيره في طغيان الثقافة الشفهية بالمنطقة العربية وأن العرب الذين يقل إسهامهم في شبكة الانترنت عن واحد في المئة لن يستفيدوا فعليا من العولمة إلا إذا تكتلوا في مجموعات.
د، يحيى اليحياوي كان من بين الخبراء العرب الذين ساهموا في إعداد تقرير التنمية الإنسانية العربية [2002]، ومن بين أبرز إصداراته: «أسلحة العدوان الشامل: تطرف القوة وعولمة الخوف»، العولمة، الاتصال، العالم: تطرف الليبرالية الكونية والفكر الواحد»، «العولمة ورهانات الإعلام»، «الوطن العربي وتحديات تكنولوجيا الإعلام والاتصال»، «احتقار الديموقراطية- دراسات في آليات الاستبداد».
ولقد كان لـ «الرأي العام» معه هذا الحوار الذي نورد إليكم نصه:
أنت واحد من أبرز الخبراء العرب وفي العالم الذين درسوا العولمة، لكنك واحد من أبرز مناهضيها أيضا، لماذا هذا الموقف الرافض مع أن العولمة ليست شرا كلها؟
- غالبا ما تقدم العولمة على أساس كونها انفتاحا للأسواق وتحريرا للمبادلات وتسهيلا لسبل تنقل وسريان السلع والخدمات والمعلومات والمعارف وإلى حد ما البشر، آلن مينك يتحدث عن «العولمة السعيدة» وغيره (سيما المنظمات الدولية الكبرى والشركات المتعددة الجنسيات وغيرها) تتحدث عن «العولمة الموعودة».
أنا لست انغلاقيا حتى أناهضها على هذه الخلفية أو تلك أومن باب الموضة كما يفعل البعض، ولا أناهضها بغرض المناهضة الصرفة وإلا لكنا نناهض الروافد الإيجابية الكبرى التي حملتها سيما على مستوى التحولات التكنولوجية من قبيل الإنترنت والفضائيات الإعلامية وما سواها.
أنا أناهضها أساسا لطبيعتها المضارباتية وسيادة الربح الريعي الذي يحكمها على حساب الربح الحقيقي المتأتى من إنتاج الثروة، فيكفي أن نعلم أن رؤوس الأموال زمن العولمة (ما بين 2000 و2500 مليار دولار) إنما تقتني الشبكات الإلكترونية بحثا عن سبل الربح السريع، جزء بسيط منها (نسبة 6 في المائة) هو الذي يدخل في دورة الإنتاج المباشرة.
هذه الخاصية المضارباتية هي التي بسببها تقوضت اقتصاديات ناشئة بآسيا كما بأميركا اللاتينية كما بأفريقيا أواخر القرن الماضي.
وأنا أناهضها كونها استصدارا للبعد المواطناتي من لدن البعد السياسي واستصدارهما مجتمعين من لدن البعد الاقتصادي الجاف، اليوم لم تعد السياسات الاقتصادية والتكنولوجية والثقافية والاجتماعية من اختصاص الحكومات أو البرلمانات، لقد أضحت من اختصاص الشركات الكبرى، لا سيما أن رقم معاملات بعضها يتعدى بكثير الدخول الإجمالية الخام للعديد من الدول،،،وأضحت من صلاحيات المنظمات الاقتصادية والمالية الدولية وفي مقدمتها منظمة التجارة العالمية.
وأناهضها لأنها تدفع بتصور في الاقتصاد مرتكز على السوق دون سواه واختزال هذا الأخير في أبعاد الإنتاجية والربحية والفاعلية والتنافسية دونما إعارة اهتمام للعواقب السلبية التي يمكن أن تترتب على مستوى الأفراد والجماعات (سيما بعد مسلسلات الخوصصة والتحرير وإعادات التقنين وغيرها).
وأناهضها لأنها تدفع بتصور في السياسة لا تتراءى الديموقراطية بصلبه إلا في كونها نتاج عملية عرض وطلب بسوق سياسي لا اختلاف بينه وبين سوق السلع والخدمات، وتدفع أيضا بتصور في الثقافة والفكر لا يتراءى لها خارجا عن «القيم» الجديدة المبنية على البقاء للأقوى والمرونة اللانهائية والفردانية وهكذا، كل هذه التمثلات تتطلع إلى صياغة تمثلات جديدة في الاقتصاد والسياسة والفكر بديل عن التمثلات القائمة أو السائدة بداخل هذه الدولة أو تلك.
وأناهضها أيضا لأنها حولت العقد الاجتماعي من عقد بين الحكومات وشعوبها إلى عقد بين الحكومات ولوبيات المصالح الكبرى على حساب الشعوب.
لكل هذه الأسباب ولغيرها فأنا لا أناهضها فحسب بل أطالب بضرورة التفكير في صياغة عولمة أخرى تحترم حق الدول والشعوب في التنمية وفي اعتماد النموذج الديموقراطي الذي تختاره شعوبها وفي احترام تمثلات الأفراد والجماعات لذواتهم وللكون من حولهم.
الظاهر أن العولمة فتحت آفاق البشرية على التعددية والحق في الاتصال والإعلام بشكل يلغي الحدود الجغرافية والسياسية،، لكن في دراساتك تستنتج أن فلسفة العولمة تقوم على تنميط تفكير وسلوك «المواطن العالمي» خدمة لمصالح البعض،،، كيف ذلك؟
- العولمة لا تلغي الحدود بل تعيد ترسيمها فيما بين الأقطاب الفاعلة فيها.
العالم في هذا القرن في طريقه للتمحور حول ثلاثة أو أربعة أقطاب كبرى تحتكر لنفسها كل مصادر البحث والثروة المادية واللامادية المتأتية من الثورة التكنولوجية والسياسية التي تنتشر بين مختلف دول العالم حتى البعيد منها، من لا يلحق بالركب سيقصى ويركن للجانب.
هذا واقع تؤكده الملاحظة وتثبته الدراسات الاستشرافية، بالتالي فالسوق الواحد و«الموحد» الذي سيترتب عن ذلك سيخص الدول التي لها ما تبيعه به أو تشتريه، ما سواها لا قيمة له تذكر في الدورة الاقتصادية أو التكنولوجية.
الشركات الكبرى والدول المتقدمة والمنظمات الدولية (الاقتصادية والمالية) هي التي تدفع بهذا الاتجاه ومن خلفها مراكز البحوث وبيوت الخبرة والأفكار (بدافوس وبنيس وبنيويورك وبغيرها)، العمل إذن يطاول الذهنيات والأفكار بغرض خلق «مواطن عالمي» موحد التمثل والسلوك لا توجد ممانعة لديه على استهلاك هذه السلعة أو تلك حتى بوجود خصوصيات يتشبث بها، هو مواطن يراد له أن يفكر ويقتني ويستهلك دونما تحفظ أوتردد،،،إنها أيديولوجيا الاستهلاك التي تؤجج العولمة نعرتها وتتحكم في دورة رأس المال من خلالها.
بالتالي فلن يبقى هناك مواطن محلي أو وطني أو جهوي، التوجه هو ايجاد مواطن مكيف وفق ما تريده له شركات إنتاج الغذاء المحول جينيا أو الأدوية المصنعة بمكونات آدمية أو السلع ذات المخاطر على الصحة أو على الأخلاق.
التوجه بالتالي هو التنميط ليس من أجل التنميط بل بغرض ايجاد مستهلك لا يمانع في دفع الاستهلاك إلى مداه الأبعد، لن يبقى بعد ذلك من مجال للحديث عن الخصوصية أو الحق في الاختلاف أوالحق في التميز أوما سواها، هذه أمور ستدان وتصنف ضمن خانة «التصدي للاستثمار» أو ضمن لائحة «التضييق على حرية تنقل السلع والخدمات» أو ضمن سياق الإرهاب حتى.
وهذا من أسباب تخوفي من توجه العولمة كما يريدها أصحاب الخطاب الواحد وسبب مناهضتي لها كما قلت بالسؤال السابق.
تفيد بعض الدراسات أن حجم المعلومات العربية لا يمثل على الأكثر حتى نسبة 1 في المئة مما تزخر به شبكة الانترنت، هل معنى ذلك أنه لا توجد لدينا كعرب معلومات أصلا نتقاسمها مع غيرنا ممن نستهلك ثقافاتهم، أم أن للخلل أسبابا أخرى؟
- وجود العرب على شبكة الإنترنت وجود ضعيف بكل المقاييس،، هو ضعيف على مستوى المواقع وعلى مستوى المضامين وضعيف أيضا باحتساب المواقع الشخصية والمؤسساتية،،،النسبة أقل من 1 في المئة بمعظم الإحصاءات، وقد تحدثت في ذلك تقارير التنمية الإنسانية العربية الثلاثة ببعض من التفصيل.
لا أعتقد أن الإشكال إشكال معلومات، فالعرب أنتجوا أحجاما ضخمة من المضامين والمعارف وترجموا العديد من الكتب والدراسات، لكن المشكل أنها لم ترقمن (لم تحول إلى معلومات رقمية) وتدمج من ثمة بالشبكة، هناك أمهات كتب عربية وإسلامية لا تنتظر سوى رقمنتها وإدخالها بالشبكة حتى يكون بالإمكان الاطلاع عليها، وهي عملية غير مكلفة ماديا ولا هي مستهلكة لكثير من الوقت، الخلل إذن ليس في حجم المعلومات، الخلل في غياب السياسات التي تقيمها وتوضعها رهن الباحث أو القارئ.
تسألني عن أسباب الخلل،،، أنا أتصورها في ثلاثة أمور:
الأول سبب سياسي ويتمثل في عدم الوعي بأهمية الشبكة والرهانات التي تحملها حاضرا ومستقبلا، وهذا إشكال تاريخي فيما أتصور، إذ غالبا ما كان ينظر إلى التكنولوجيا في كونها ترفا لا فائدة من الاستثمار فيه أمام إكراهات أخرى أكثر استعجالية، وهو تصور خطأ، إذ توافر المعلومة والمعرفة اليوم أضحى عنصر إنتاج للثروة ومناصب الشغل.
والثاني ذهني بامتياز على اعتبار سيادة المنطق الشفوي على المنطق المكتوب أو المرئي، وهذا إشكال ثقافي تعاني منه الثقافة العربية الإسلامية بحدة، بالتالي فتغيير السلوك يبدأ من العمل على تجاوز الثقافة الشفهية الطاغية من بين ظهرانينا.
وهناك سبب يمكن أن نطلق عليه سببا أيديولوجيا، إذ حصار الثقافة بالمنطقة العربية هو أيضا من حصار المعلومة والمعرفة ومن حصار وتيرة تنقلهما على اعتبار أن المعلومة سلطة، ولما كان الاستبداد بالدول العربية هو القاعدة فإنه من المتعذر فتح السبيل لسريانها بين الجماهير.
وهناك أسباب أخرى يطول الحديث فيها هنا.
إذن، ما دامت حصيلة إسهامنا في الشبكة العنكبوتية هزيلة إلى هذا الحد، ماذا استفدنا كعرب من العولمة ؟
- أنا غالبا ما لا أطرح الإشكالية بجهة من يستفيد ومن يخسر، ولكن مادمت قد طرحت السؤال بهذا الاتجاه فأنا أتصور أن الاستفادة من العولمة في شكلها الحالي تفترض وجود تكتلات اقتصادية وتكنولوجية كبرى وتفترض توافر أسواق واسعة للإنتاج كما للاستهلاك ويفترض قاعدة اقتصادية صلبة ويفترض بالأساس إعادة النظر بطبيعة التوزيع العالمي للعمل.
بمعنى أنه من الصعب حقا الفعل في العولمة بجهة جذب منافعها، وأنت تتوافر على اقتصاد مرتكز على المواد الأولية واليد العاملة الكثيفة، هذا الاقتصاد في طريقه إلى التجاوز فكيف المراهنة عليه؟ المنطقة العربية برمتها لا تزال تؤمن بهذا التوزيع في العمل بل وتحاول أن تبني على أساسه ما يسمى بالسوق العربية المشتركة، ثم أي سوق عربية بوجود تجارة بينية لا تتعدى 8 في المئة من حجم التجارة العربية الإجمالية؟
ثانيا، أكثر من ثلثي الاستثمارات العالمية تتحرك داخل الأقطاب الاقتصادية الكبرى: النافطا والاتحاد الأوروبي وشبكة اليابان، ما تبقى يذهب للاقتصاديات الصاعدة من قبيل الهند والصين والبرازيل وجنوب أفريقيا، كيف إذن المراهنة على استقطاب رؤوس الأموال التي تؤثث الخطابات العربية الرسمية وهي عمليا غير مهتمة بالمنطقة؟
الخطير في الأمر أن الاستثمارات العربية هي ودائع البنوك الكبرى وهي التي تقدم كقروض للدول العربية،،،بالتالي فمال العرب يعود إليهم لكن بصورة قروض مثقلة بالتكاليف.
تقول لي: والتجارة الالكترونية العربية هل من مصداقية لطرحها؟ أقول لك باختصار: التكنولوجيا لا تحل الإشكالات إلا إذا كانت هذه الإشكالات محلولة على أرض الواقع، هي قد تساعد في حلها لكنها لا تحلها في مجملها.
بالتالي فالعرب لن يستفيدوا من شكل العولمة الحالي ولا من الأشكال القادمة إلا إذا تكتلوا في مجموعات، قد لا تهم الصيغة لكن الأهم هو الوعي بأن هذا اختيار وجود لا مناص عنه في القرن الحالي.
تقول في بعض دراساتك إن العولمة جعلت من الإعلام رديفا للقوة العسكرية، كيف ذلك ولصالح من ؟
- لست أنا الذي يقول بهذا، الأدميرال الأمريكي جوزيف ناي هو الذي تحدث عن القوة الناعمة بأحد أعداد مجلة فورين أفيرز[شؤون خارجية]، مفاد هذه المقولة باختصار هي أنه إذا كان بلوغ الأهداف نفسها عبر الوسائل اللينة والرخوة ممكنا ومتاحا فلم، اللجوء إلى القوة الخشنة المكلفة ماديا وبشريا والمؤثرة على المصداقية أيضا؟ القوة اللينة تضم الإعلام بكل أطيافه، لكنها تضم أيضا الدبلوماسية والعلاقات العامة وقوى الضغط المختلفة وما سوى ذلك، وتضم أيضا مراكز البحوث وجيوب «إنتاج الفكر»، وبيوتات الخبرة وما سواها، لكن الإعلام هو أخطرها جميعا زمن الحرب كما زمن السلم.
لماذا الإعلام والصورة تحديدا؟
لأنها هي التي تدخل البيوت وتغزو العقول والأفئدة وتؤجج النعرات وتبرر السلوكات، انظر مثلا تأثير الشبكات التلفزيونية الأميركية الكبرى كيف مهدت لغزو العراق بعدما كانت قبل ذلك تعد الرأي العام للغزو، وانظر أيضا كيف تتعامل الإدارة الأمريكية مع الدول العربية بجهة دفعها إلى إعادة تشكيل منظوماتها التربوية، وانظر مشاريع «الشرق الأوسط الكبير» و«الشرق الأوسط الأوسع» وغيرها، وانظر سياسات الحصار المفروضة على هذه الدولة العربية أو تلك على هذه الخلفية أو تلك.
إنها كلها وسائل وسبل رخوة توظفها القوى الكبرى لبلوغ أهداف محددة دونما لجوء إلى القوة الخشنة التي أضحت مكلفة ماديا وبشريا.
كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن «مجتمع الإعلام» و«مجتمع المعلومات» وسواها من المصطلحات الحديثة المرتبطة بالعولمة،،هل لك أن تقربنا من معنى «مجتمع الإعلام والمعلومات» ؟
كل المجتمعات الإنسانية (حتى البدائية منها) كانت مجتمعات معلومات بطريقتها، أعني أن لها طقوسا وأساليب في إنتاج المعلومة وتخزينها وتوزيعها وتداولها واستهلاكها، لا أعتقد أن هناك مجتمعا لم تكن له وسائله في إنتاج وتوظيف المعلومات، سواء في زمن الحرب أوفي زمن السلم.
الجديد اليوم هو أن المعلومات أضحت قطاعا قائما بذاته ومهيكلا وله مدخلاته ومخرجاته وله الدور الاستراتيجي الأول في عمليات إنتاج وإعادة إنتاج القيمة، بمعنى أن المعلومات والإعلام والاتصال (شبكات ومضامين) غدت المصدر الأول للثروة وأستطيع القول المحدد المركزي الذي يحكم مسلسلات الإنتاج وعمليات النمو بالاقتصاديات وله فضل عن ذلك سوق ضخم، يتطور بأحجام كبرى وأضحى لديه شركات متعددة الجنسية تماما كشركات الغذاء أو الدواء أو السيارات أو الطائرات أو ما سواها، هذا معطى لم يكن قائما من ذي قبل ولا هو قائم بمعظم دول العالم الثالث وضمنها الدول العربية.
مجتمع الإعلام (أو المعلومات) هو إذن بنى تحتية واسعة تتنقل بداخلها أحجام ضخمة من المعطيات، تقتني شبكات واسعة للتنقل وتستوظف برامج ولوجيسيالات[برمجيات] معقدة في التسيير والتدبير والفوترة وغيرها.
لو سلمنا بأن كل المجتمعات هي مجتمعات معلومات، فإن المجتمع الحالي (بالدول المتقدمة) هو مجتمع معلوماتي يتجه بجهة مجتمعات للمعرفة حيث كل البنى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية والتربوية منصهرة في فضاء تحركه المعلومات والمعطيات والبيانات.
ارتباطا بالسؤال السابق، هل يمكن الحديث عن المجتمعات العربية كمجتمعات إعلام ؟
- هي كذلك كما غيرها من دول العالم الثالث وفق التحديد الذي قدمته في الجواب السابق، لكنها ليست مجتمعات معلوماتية أو معرفية، وهذا أمر أشار إليه بالتفصيل تقرير التنمية الإنسانية العربية الثاني.
لو سلمنا بأن المجتمعات العربية هي مجتمعات معلومات بالبنى التحتية وبالشبكات وبالحوامل فإنه من الصعب التسليم بأنها كذلك بالمحتويات وبالمضامين، المجتمعات العربية في معظمها مجتمعات مبنية في اقتصاداتها على نموذج الريع وتكنولوجيا الإعلام والاتصال والمعلومات لا يمكن بالتالي أن تكون مكونا بنيويا لهذه الاقتصادات أولمسلسلات الإنتاج القائمة.
اليوم نلاحظ مثلا أن الإنترنت موجودة بمعظم الدول العربية لكن هذه التكنولوجيا الجديدة لم تستطع اختراق المنظومة القائمة وإفراز منظومة جديدة تكون فيها المعلومات والمعارف هي المحرك الأسمى، هذه المنظومات أضحت عصية على التغيير، بالتالي فهي لا يمكن أن تتحول جذريا إلا إذا خلقت الحاجة لديها تكنولوجيا تفجر منظوماتها الساكنة من الداخل.
أنا أتساءل: هل حالت التكنولوجيا الجديدة دون تكسير « قيم» المحسوبية والزبونية والرشوة والبيروقراطية وغيرها؟
لا أعتقد بذلك لسبب بسيط هو أن هذه «القيم» تحايلت أوفي طريقها للتحايل على الإنترنت لتبرير السلوكيات نفسها لكن بطرق حديثة وعصرية.
وما الذي يعوق، برأيك، إقامة بنية تكنولوجية عربية ؟
- هي عوائق كثيرة ومتشعبة ومتداخلة ولا تستثني هذه الدولة أو تلك مادامت الذهنية العربية هي ذاتها سواء بهذه الجهة من العالم أو بتلك وهي أمور تحدثت فيها أيضا التقارير الثلاثة للتنمية الإنسانية بالمنطقة العربية.
أنا أتصور أن هناك ثلاثة عوائق هي التي حالت دون إقامة بنية تكنولوجية عربية:
هناك أولا عوائق تاريخية بحكم أن الاستعمار قوض البنى التقليدية القائمة دونما أن يستجلب لهذه الدول بنى جديدة تقوم على أنقاضها، فبقيت الدول العربية محكومة ببنى تقليدية ساكنة وببعض من البنى العصرية التي لم تتموطن بما فيه الكفاية.
في مرحلة الاستقلالات لم تعمد «الدول المستقلة» على سن سياسات تكنولوجية تضمن لها في المدى البعيد الاستقلال التكنولوجي بل بقيت تدور في فلك المركز نقلا للتقنيات وللمشاريع الجاهزة وللأجهزة بالمفتاح، وهو أمر وجدت فيه هذه الدول (سيما ذات الوفرة المالية) سبيلا للتخلص من وجع الرأس كما يقال ومن ضروب المجازفة في بنية غير مضمونة العواقب.
ما زاد هذا العائق هو حدة غياب العمل العربي المشترك واعتماد المنطق القطري في التعامل مع الغرب وعدم سن سياسات تكنولوجية موحدة تضمن الحد الأدنى من الاستقلال الذاتي.
المعوق الثاني يكمن في اعتقادي في اعتماد سياسات النقل العشوائي للتقنيات إما على خلفية من الانبهار الخالص وإما تدويرا لرؤوس أموال لم تجد البنية الداخلية الكافية لهضمها.
الفلسفة الثاوية خلف ذلك كانت القول بأن استيراد هذه التكنولوجيا هو الحل في حين أن الحل كان كامنا (ولا يزال) في صياغة منظومة لهضم هذه التكنولوجيا عوض الاستمرار في جلب مستجدات لا توظف إلا نسبا ضعيفة من قدرتها النظرية.
وهناك جانب احتقار البحث العلمي واعتباره ترفا لا فائدة منه مادامت (كما يقول الخطاب الرائج) المراهنة عليه تتطلب المدى الطويل ونتائجه غير مؤكدة والإمكانات غير متوافرة دائما (بالنسبة للدول العربية محدودة الموارد)، وهو ما ترتب عنه نزيف للأدمغة بجهة الدول المتقدمة وتبعية مطلقة للغرب بنى تحتية ومضامين وخبرات.
بالتالي فالدول العربية لم تستفد لا من تجربتي الصين والهند ولا هي تخصصت في جيوب تكنولوجية تؤهلها للوجود بالسوق كما هي الحال بباكستان والمكسيك والبرازيل ولا هي ضمنت لنفسها شروط الانخراط في القرن الحالي على الأقل بجانب تشجيع البحث العلمي في بعض الميادين الحيوية كالبرمجيات أواللوجيسيالات أو غيرهما.
بهذا الصدد أسألك: لماذا لم ينتشر الانترنت بالوطن العربي بالقدر الذي انتشر به الهاتف المحمول مثلا؟
انتشار المحمول بالمنطقة العربية جاء في اعتقادي من فترة حرمان كانت خلفها شركات الاتصالات العاملة في الهاتف القار، انتشاره كان ردة فعل على حاجة قائمة لم تسد جراء احتكار الفاعلين للهاتف القار.
ثم هناك الثقافة الشفهية الطاغية بالمنطقة العربية، وهذا لا يفسر فقط ضعف نسبة الارتباط بالإنترنت بل وأيضا نسب القراءة المتدنية قياسا إلى مناطق ودول أخرى شبيهة بنا أو قريبة بناها من بنانا،هذا فضلا عن سهولة المحمول وعدم اشتراطه لمواصفات محددة من قبيل مستوى التعلم أو امتلاك اللغة أو ما سواها.
هذا تصور أولي على أن المطلوب هو القيام بدراسة متأنية تبين بالمعطيات الإحصائية وبالدراسات الميدانية النظرة إلى المحمول والنظرة إلى القراءة والإنترنت.
وما هي التحديات التي تطرحها تكنولوجيا الإعلام والاتصال على العالم العربي؟
- هي تحديات جمة وكبرى وجلية فضلا عن ذلك،.
فهذه التكنولوجيا تجر خلفها تحديات علمية وتكنولوجية بجهة المكانة التي توكل لهذه التكنولوجيا في بنى الإنتاج وتوزيع المعلومات والمعارف وفي هيكلة البنى الإنتاجية والمؤسساتية.
وهي تجر خلفها تحديات اقتصادية بجهة توفير المعلومات والمعطيات والبيانات الضرورية للدورة الاقتصادية ناهيك عن الثروة وفرص الشغل التي تترتب عن الاستثمار في هذه التكنولوجيا مباشرة.
وتجر أيضا تحديات ترابية لأن توزيع البنى التحتية والأجهزة والشبكات من شأنه تقليص الهوة الترابية بين المناطق كما من شأنه تكريسها وتعميقها.
وتجر خلفها تحديات ثقافية بين الطبقات والمجموعات البشرية بجهة الذين يستفيدون والذين لا إمكانات لديهم (مادية أو تعليمية للاستفادة)، وهو ما يعبر عنه بـ «الأغنياء معلوماتيا» و«الفقراء معلوماتيا».
وتجر إلى جانب كل هذا وذاك تحديات حضارية في زمن أضحى البحث العلمي والكفاءات البشرية والعمل الجماعي والاندماج القطاعي وما سواها أضحى فيها محك التمييز والتميز بين المنظومات الثقافية والعقدية ومدى قدرة هذه الحضارة أوتلك على المساهمة في العصر بحثا وإنتاجا لا استيرادا واستهلاكا فظا.
* "يحيى اليحياوي لجريدة 'الرأي العام' : أطالب بضرورة صياغة عولمة أخرى تحترم حق الشعوب في التنمية واعتماد نموذجا الديموقراطي" ، جريدة الرأي العام ، الكويت ، 6 يوليوز 2005 ، جريدة اليسار الموحد، 22-28 يوليوز 2005.