يحيى اليحياوي الخبير الدولي في علوم الإعلام في ضيافة "عالم الشباب"
العرب و المسلمون مطالبون بإنتاج معارف
و مفاهيم جديدة
حاوره : هشام عطار
شاع استخدام عبارة "الفجوة الرقمية" خلال السنوات الأخيرة الماضية نتيجة للتنوع الهائل في استخدام وسائل الاتصال، و يقصد بها في أدبيات الإعلام و الاتصال الفارق أو المسافة الافتراضية التي تفصل بين مستوى الدول التي تسير في مقدمة ركب تكنولوجيا الاتصال و المعلوماتية و بين مستوى الدول التي تكتفي بالسير وراء ظل هذه الأخيرة، سواء من حيث حجم التكنولوجيا المستعملة و الارتباط بها، أو من حيث حجم المضامين و المواد المحملة عبر هذه الوسائط ... فما هي يا ترى تمظهرات هذه الفجوة؟ ما هي تأثيراتها على مختلف الميادين؟ و هل من علاقة تربطها بسؤال أزمة التنمية بين هذه البلدان ... ؟ هذه كلها أسئلة سنحاول الإجابة عنها من خلال الحوار الذي أجريناه مع الأستاذ يحيى اليحياوي، الخبير الدولي في مجال الإعلام و الاتصال:
س 1: هل نستطيع إعطاء تعريف محدد و واضح لما يسمى بالفجوة الرقمية بين الشمال و الجنوب؟ و ما هي الأشكال والملامح التي تتخذها هذه الفجوة؟
يحيى اليحياوي: الفجوة الرقمية هي الهوة أو البون الذي يفصل بين دول أو مجموعات دول تمتلك ناصية تكنولوجيا الإعلام والمعلومات والاتصال المتقدمة (سيما تلك الموظفة لتقنيات الضغط الرقمي) وبين دول أو مجموعة دول لا تملك من ذلك شيئا أو الشيء القليل. هي رقمية لأنها تحيل على نظم الإعلام والاتصال التي تنبني على لغة مشتركة بين قطاعات الإعلام والمعلومات والاتصال (اللغة الرقمية) وهي عبارة عن سلسلات من الأصفار والآحاد تحول كل أشكال التعبير المتوفرة إليها سواء كانت مكتوبة أم منطوقة أم مرئية أم معطيات قارة أو متحركة. بالوقت الحالي تقاس هذه الفجوة بمستويات الارتباط بشبكة الإنترنيت وبمدى مساهمة كل دولة أو جهة في إنتاج وترويج المضامين بداخلها.
الفجوة الرقمية هي التي تحيل إذن على الهوة بين من يملك هذه الأعتدة الرقمية (والمضامين المحملة عبرها أيضا) وبين من لا يملكها أو يملك جزءا ضعيفا منها بشبكاته في الإعلام والمعلومات والاتصال. وعلى خلفية من استحضارها يتم الحديث أيضا عن الدول "الغنية معلوماتيا" والدول "الفقيرة معلوماتيا"، ثم عن "الدول السريعة" والدول البطيئة السير وهكذا.
هذا لا يعني أنه لم تكن هناك فجوات تكنولوجية من ذي قبل. بالعكس فقد طاولت ميدان الصحافة كما ميدان الإذاعة والسينما كما التلفزة كما غيرها من أشكال التعبير. لكن الفجوة الرقمية هي الأكثر بروزا وتمظهرا بحكم التطور التكنولوجي الذي نعيشه منذ عشر إلى خمس عشرة سنة.
الفجوة إذن هي فجوة في ارتباط بالشبكات، بالولوج إلى بنوك المعطيات وبالنفاذ إلى قواعد المعلومات ثم أيضا نسبة المشاركة في إنتاج وتخزين وتوزيع ذات المعطيات والمعلومات وبأية لغة. من هنا فهي تحيل على توزيع للعمل جديد تتموقع الدول بداخله وفق ما تنتجه من معلومات ومعطيات وبيانات ومعارف وليس بالقياس إلى ما تنتجه أو تصدره من مواد أولية أو سلع استخراجية أو ما سواها.
هي باختصار فجوة تؤشر على البون الواسع بين دول لها باع كبير في إنتاج المعلومات والمعارف على مستوى البنى التحتية والمضامين وبين دول لا تزال خاضعة في نموذجها التنموي لما توفره لها الأرض أو المناجم أو الصناعات التقليدية أو غيرها.
س 2: بخصوص إنتاج المعلومات و المعارف و المضامين ... هل من الصواب القول أن العالم العربي بثقافته العربية والإسلامية الضاربة جذورها في تاريخ الحضارة الإنسانية، أنه فقير معرفيا، و مضامين، ولا يمتلك ما يقدمه للمجتمع البشري من تراث و علم و أدب و معارف و فنون ... عن طريق هذه الوسائط الجديدة للإعلام؟
يحيى اليحياوي: الإشكال ليس في وجود أو عدم وجود معين مضامين ومعارف. الإشكال في طريقة موسطته وتوظيف المستجدات التكنولوجية لترويجه بالداخل كما بالخارج.
لو عمدنا إلى جرد حجم المرقمن من التراث العربي الإسلامي وما هو متواجد بشبكة الإنترنيت مثلا سنجد أن النسبة ضعيفة جدا إما بسبب الإهمال أو جراء عدم الاكتراث بذلك أو تضارب الأدوار بين المؤسسات الرسمية (وزارات الثقافة والإعلام والتعليم والتربية تحديدا) أو جهل أهمية الشبكات الألكترونية في تدوير المضامين والمعارف بين الأفراد والجماعات.
هذا لا يعني أن العرب والمسلمون يجب أن يكتفوا بما ورثوه ليروجوه. بالعكس فهم مطالبون بإنتاج مضامين ومعارف جديدة بكل العلوم الحية ودمجها بالشبكات الألكترونية وبالتحديد بالإنترنيت.
س 3 : ما هي تأثيرات الفجوة الرقمية على الاقتصادي والاجتماعي، باعتبار أن العصر الحالي هو عصر المعلومات والاتصال بامتياز؟
يحيى اليحياوي: كل العصور هي عصور معلومات. حتى المجتمعات البدائية يمكن اعتبارها مجتمعات معلومات بحكم دور هذه الأخيرة في المعمار والحضارة. هي مجتمعات معلومات لكنها ليست مجتمعات معلوماتية على عكس المجتمعات الحالية التي أضحت هذه الأخيرة بها العصب المحرك الاقتصاد، للإنتاج ولإعادة إنتاج السلع المادية واللامادية. لقد أفرد عالم الاجتماع الإسباني مانويا كاسطيل ثلاثية ضخمة له تحدث فيها عن طبيعة هذا التمييز وعن إشكالات أخرى. هذا جانب.
الجانب الثاني هو أن الفجوة الرقمية هي بالأصل فجوة تكنولوجية وفجوة في التنمية أي فجوة بين دول لها مقومات التنمية الجديدة ودول لا تزال تقتات على الأرض والمناجم والصناعات الاستخراجية.
ولما كانت التنمية منظومة متكاملة، فإن التخلف بدوره منظومة متكاملة إذ المتخلف تكنولوجيا هو بالأصل متخلف على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ولا يمكن أن تدعي دولة التقدم في جانب مع تردي الجوانب الأخرى.
بالتالي فالفجوة الرقمية الحالية (كما الفجوة الترابية والفجوة العلمية والتكنولوجية وما سواها) ما هي بالأساس إلا مظهرا من مظاهر فجوة التنمية التي تفصل دول الشمال عن دول الجنوب... ومحاولة ردمها بالتركيز عليها دون المظاهر الأخرى هو قول مجانب للصواب. وهذا أمر يطول به الحديث هنا.
س 4 : في المؤتمر المنعقد مؤخرا بتونس حول مجتمع المعلومات، تحت إشراف الأمم المتحدة، كان الغرض الأساسي هو هدم الهوة الرقمية بين دول الشمال الغنية التي تستخدم بكثافة وسائل الاتصال الحديثة والدول المتخلفة التي تفتقر إلى أدنى الوسائل التقنية اللازمة ... برأيكم، ما مدى نجاح أو فشل هذه القمة بالنظر إلى الهدف الأساسي الذي أقيمت من أجله؟ ومن هو الطرف الرابح و الطرف الخاسر في هذا المؤتمر؟
يحيى اليحياوي: قمة تونس الماضية لم تناقش إشكالية الفجوة الرقمية إلا من باب مجاملة الدولة المضيفة ودول العالم الثالث المدعوة ليس إلا على أن الإشكال المحوري بالقمة كان متعلقا بحكامة الإنترنيت وتزايد مطالبة دول الاتحاد الأوروبي والصين والبرازيل وغيرها بضرورة رفع الاحتكار الذي تمارسه الولايات المتحدة على شبكة الإنترنيت وضرورة خلق إطار جديد تسهم باقي حكومات ودول العالم في إنشائه والسهر عليه بعدما بدأت تعتبر أن شبكة الإنترنيت ملكا كونيا للبشرية أو ضاق بها الدرع من احتكار الأمريكان لهذه الأداة الناجعة.
صحيح أن القمة أنشأت صندوقا عالميا " للتضامن الرقمي"، لكنه يبقى من باب الأدبيات المجاملة إذ لكم من مرة تحدثت قمم الدول السبعة الكبار من قبل عن النية في زيادة المساعدات للدول الفقيرة ولم يبق من ذلك إلا بلاغات القمم في حين تتراجع ذات المستويات بانتظام من النواتج الداخلية الخام للدول الكبرى.
أنا أزعم أن الفجوة القائمة هي فجوة تنموية بامتياز ومعالجتها عبر تهدئتها بالمسكنات (من قبيل هذا الصندوق) غير ممكنة إذا لم تعالج إشكالية التنمية برمتها لأنها هي الأصل في حين أن الفجوة إياها هي الفرع الصغير.
س 5: التنمية ... مصطلح هلامي لديه معاني كثيرة ... ربما، استيعاب معنى التنمية قد يستعصي على أفهام عدد كبير من المثقفين و المفكرين أنفسهم ... كل يراه بطريقته الخاصة ... ما معنى التنمية بالنسبة ليحيى اليحياوي؟
يحيى اليحياوي: التنمية عملية تراكمية في إنتاج وإعادة إنتاج وتدوير الثروات والخيرات المادية واللامادية على حد سواء. هي القيمة المضافة المتحصلة من عمليات الدمج بين الرساميل والقوى العاملة والكفاءات والسياسات وما سوى ذلك. هي إذن دمج لكل ذلك بغرض تحصيل قيم مضافة تزيد من الثروة وتوسع المجال في إعادة إنتاجها في الزمن والمكان.
هي منظومة متكاملة غالبا ما تكون محكومة برؤية واضحة ومرتكزة على استراتيجيات فيها القصير المدى وفيها البعيد. وهي عملية تشاركية لا إقصاء فيها لرافد على حساب رافد آخر.
بالتالي فهي صيرورة تاريخية يراهن فيها المرء على ما توفر لديه ذاتيا دونما المراهنة على هذه الجهة أو تلك إذ التنمية لا تبنى بالقروض ولا ترتكز على بيع ممتلكاتك لتمويلها.
وهي تشترط فوق كل هذا وذاك نخبا بالحكم مثقفة، نظيفة ونزيهة ومتشبعة بقيم الوطنية الحقة لا الوطنيات المزيفة التي نعيش بالمغرب مثلا في ظل خطابها الأجوف.
س 6: هل توجد في الوطن العربي رؤية واضحة المعالم و إرادة حقيقية لهدم الهوة بينه و بين دول الشمال؟
يحيى اليحياوي: أنا انتهيت من دراسة عن " تكنولوجيا الإعلام والمعلومات والاتصال وموقع العرب من التوزيع العالمي للمعرفة" تبين لي من خلال المعطيات الإحصائية أن الهوة بين الشمال والدول العربية حادة وإلى حد بعيد متعذرة التضييق. صحيح أن بعض دول الخليج (سيما بالإمارات المتحدة والكويت وغيرها) تحتل مستويات عالية في عدد الهواتف القارة والنقالة والارتباط بشبكة الإنترنيت، لكن دولا أخرى (كموريطانيا مثلا أو مصر أو اليمن أو غيرها) تعيش الندرة في هذا الجانب بدرجات لا يتقبلها العقل بداية هذا القرن.
لا أستطيع الجزم بأن دول الخليج تتوفر على رؤية والأخرى لا. لكن الثابت أن لديها المال تستجلب به جل ما يستجد من تقنيات وأعتدة وما سواها.
العرب مطالبون برؤية قومية فيما بينهم قبل أن يطلب منهم المرء رؤية إزاء الخارج. وهذا إشكال حاولت أن أفكك بعضا من عناصره في هذه الدراسة التي أعتزم نشرها أواسط هذه السنة.
س 7: بخصوص الإعلام الوطني ... لنذكر على سبيل المثال (الفضائيات) المغربية الجديدة، كمثل المغربية، الرابعة ...إلخ، ما هو تقييمكم لهذا العمل؟ و هل من دور حقيقي يقوم به لإغناء الفضاء السمعي البصري الوطني؟
يحيى اليحياوي: هي استنساخ على الفضاء لما يبث على المحطات الأرضية. الإعلام بالمغرب، سيما في جانبه السمعي البصري، هو إعلام ترقيعي لا يمت بصلة إلى الإعلام كما نعهده بالدول المجاورة أو بالدول المتقدمة. فهو غير محكوم بنظرة شاملة ولا يخضع لتصور منظومي متكامل. هو إيهام بأننا نتوفر على محطات تلفزية فضائية في حين أنها بث مكرور لما يبث في المحطات الأرضية بالقناتين.
الإعلام السمعي البصري بالمغرب هو المثال الصارخ للتخبط الرسمي بإزاء ما يسمى الإصلاح في حين أنه مجرد إيهام بالإصلاح. كنت أتمنى أن نستفيد من الطفرة التكنولوجية المتاحة لكن الحاصل أننا لا نواكب التكنولوجيا بقدر ما نطلب منها أن تواكب تخلفنا ورداءتنا وتردي واقع الحال من بين ظهرانينا.
لقد أصدرت كتابا عن "محنة التلفزة بالمغرب" من ثماني سنوات مضت وأزعم أن طروحاته تتأكد يوما عن يوم سيما باستمرار الضغط الأمني وإيديولوجيا المخزن المهيمنة بالمجال السمعي البصري كما بغيره من مجالات.
س 8: من المعلوم أن وتيرة استخدام الأنترنت في تزايد عمودي فائق، سواء في المجال الإعلامي، الاقتصادي، أو الثقافي ... هل تزايد استخدام الأنترنت يساهم في هدم الهوة الرقمية، ببسطه لطرائق و أشكال جديدة للتواصل، أم أنه يزيد من حجم هذه الهوة باعتبار المستوى الثقافي و الاقتصادي المتباين بين الشمال و الجنوب؟
يحيى اليحياوي: الإنترنيت لا يعطيك إلا بالقدر الذي تعطيه. وبمجتمعات شفوية غالبيتها العظمى ترزح تحت نير الأمية المعلوماتية لا يمكن لي أن استشرف أفقا مشرقا للإنترنيت. هذا جانب.
الجانب الثاني يتعلق بالتساؤل في السياسات التكنولوجية (لو سلمنا جدلا بوجودها): هل من المفروض تحديد السياسات العمومية بالاحتكام إليها كعنصر من العناصر أم باعتبارها العنصر الأساس؟
الحاصل بالدول العربية (وبالمغرب تحديدا) أنها تهافتت على استجلاب التكنولوجيا الألكترونية (والإنترنيت ضمنها) دونما تحديد للغاية من ذلك. بمعنى ما الفائدة من إدخال الإنترنيت بالمدارس وأنت لا تتوفر على سياسة تعليمية واضحة؟ ما معنى أن تتحدث عن الإدارة الألكترونية والإدارة القائمة منخورة بالفساد والرشوة والمحسوبية والزبونية وما سواه؟ وقس على ذلك.
المفروض أن تحدد السياسات أولا ثم (وثم فقط) يعمد إلى استجلاب التكنولوجيا المناسبة أو المساعدة على إنجاح هذه السياسة.
س 9: هل يمكن أن تتحول محاولات هدم الفجوة الرقمية إلى شكل من أشكال المد والاكتساح الغربي الجديد لدول الجنوب، فارضا عليه بشكل أقوى منظومته القيمية وأساليب عيشه؟ كيف يمكن لعالمنا العربي صد مثل هذه المحاولات؟
يحيى اليحياوي: لا يمكن لمنظومة قيم ما أن تغزو منظومة أخرى أو تكتسحها إلا إذا توفرت لدى الثانية القابلية على ذلك. ثم ليس هناك غزو من أجل الغزو أو اكتساح من أجل الاكتساح. النظام الرأسمالي يتجدد وتتجدد آلياته والفلسفة الثاوية خلفه هي بلوغ الأسواق وتعظيم فرص الربح وما سواها. إذا استوجب ذلك تنميط الأفراد والجماعات لدمجهم في منظومة الاستهلاك فذاك وإلا فلا مصلحة تبدو له في تغيير هذه الثقافة أو المنظومة لمجرد الحب في تغييرها وتفكيكها. والنماذج كثيرة في ذلك لا مجال لها في هذا المقام.
لنأخذ الإنترنيت مثلا. مواقعنا العربية به ضعيفة للغاية، المضامين باللغة العربية شبه معدومة" (قياسا إلى أحجام المواقع باللغات الأخرى)، عدد الخدومات المستعملة على مستوى العالم العربي لا تتجاوز المائتين، الثقافة العربية المرقمنة والمدمجة بالشبكة شبه غائبة وهكذا. نحن بهذه الحالة نتوفر على القابلية في قراءة الآخر وقراءة ذواتنا من خلال الإنترنيت بلغات الآخر. عن أي ردم للهوة يتحدثون وعن أي سبل تتحدث لصد المحاولات؟ القرن الحالي هو قرن المعرفة والبحث العلمي والإبداع التكنولوجي وتقييم الكفاءات العالية. ما سوى ذلك هو كلام إنشاء يدغدغ الأحاسيس ليس إلا.
س 10: الحديث عن "هدم" الهوة الرقمية بين الشمال والجنوب هو خطاب فيه من السرعة و الآنية ما قد يضعنا أمام شكل من أشكال تصدير التكنولوجيا و محاولة فرضها من فوق. هل ستنجح محاولات الهدم هذه دون إشراك للمجتمعات المعنية بالأمر؟
يحيى اليحياوي: التكنولوجيا هي تقنية في مظهرها لكنها معرفة في مضمونها. هي ثقافة، هي منظومة قيم، هي حضارة. ليس غريبا أن يحدد مضمونها القاموس الفلسفي الإنجليزي لالوند بالقياس إلى الحضارة.
لو سلمنا بإمكانية نقل التقنية (العتاد أو الجهاز) فإنك لا تستطيع نقل المعارف المتضمنة بها أو منظومة القيم الثاوية خلفها. كلها تبقى ببلد المنشأ.
بالتالي فلو أمكنك ردم الهوة عتادا (الإمارات تتوفر على نسبة من الهواتف المحمولة لكل ألف شخص تتجاوز العديد من الدول المتقدمة) فإنك لا تستطيع أن تردم هوة المعرفة التي تتضمنها والتي تجعلك في تبعية دائمة لمستجدات السوق وما يعرض به من مبتكرات جديدة تقتنيها بالمال.
الهوة الرقمية (وغيرها) لا تردم بالنقل. هي تردم بإقامة بنية تكنولوجية تقوم عليها الكفاءات العلمية الذاتية وتكون مؤطرة بحكومة وطنية واعية بالرهانات ومدركة لطبيعة التنافس في هذا القرن. هو عمل طويل قد يبدأ بتطويع ما ينقل وموطنته لكنه يجب أن ينتهي ببنية تكنولوجية وعلمية ذاتية. وتجربة الهند والصين وماليزيا وكوريا الجنوبية والمكسيك وغيرها غير بعيدة عن هذا الطرح.
س 11: ما هي التبعات الثقافية والحضارية التي يفرزها نقل تكنولوجيا الإعلام والاتصال إلى العالم الثالث؟
يحيى اليحياوي: عبارة التبعات خفيفة جدا إذ نحن بالعالم العربي بإزاء وضعية كارثية على مستوى تكنولوجيا الإعلام والاتصال (بحثا علميا وإبداعا تكنولوجيا وتبذيرا للمال والكفاءات وما سوى ذلك).
المجتمعات العربية أضحت تعيش حالة من الانفصام الثقافي والحضاري بين من يملك (بالمدن كما بالبوادي) وبين ما لا سبيل له لبلوغ الشبكات أو النفاذ إلى المعلومات. هذه المجتمعات غدت تسير بوتائر متباينة للغاية بين من يملك كل مقومات العصر التكنولوجي وبين من لا يزال يتطلع إلى مخاطبة والدته بالهاتف.
س 12: ما هو استشرافكم لمستقبل الإعلام العربي في ظل هذه الموجات الإعلامية العالمية الجديدة ؟
يحيى اليحياوي: الإعلام العربي بداية هذا القرن هو صورة طبق الأصل للنظام العربي. ليس هناك إعلاما عربيا هناك وسائل إعلام قطرية ناطقة باللغة (بالدارجة غالبا) العربية. استشراف مستقبل "الإعلام العربي" هو من استشراف النظام العربي إن تحسن عطاء هذا الأخير تحسن الأول وإن تعطل فسيبقى معطلا كما هو عليه الحال راهنا.
من مدة بعيدة والكل يطالب بفضائية عربية أو إسلامية تكون الناطق الرسمي للعرب والمسلمين بالغرب تتحدث لغته وتتعامل معه وفق منطقه وتقدم له صورة العرب والمسلمين كما هي لا كما يراد لها أن تكون. لم تفرز المطالبات شيئا يذكر لكنها أفرزت فضائيات عربية وإسلامية قطرية كل تتغنى بنظرتها للعرب وللإسلام، تقدم هذا المذهب وتؤخر ذاك، تبارك هذا الداعية وتركن ذاك. وأصبحنا بالمحصلة نتحارب فيما بيننا عبر الفضائيات عوض أن نوظفها لخدمة قضايانا. إنه لأمر محزن حقا.
مجلة "عالم الشباب"، العدد الأول، 15 أبريل 2006