المساء: كيف تفسر تعتيم القنوات المغربية على قضية الصحفي رشيد نيني في الوقت الذي تخصص قنوات عربية وأجنبية لهذا الخبر حيزا مهما؟
يحيى اليحياوي: القنوات العمومية لا تعتم على رشيد نيني فقط، بل تعتم على شعب بأكمله، وعلى بلد بكامله. إنها نشأت وكبرت وأدمنت التعتيم، حتى ليبدو لك أن لا شيء حي من أمامك أو من خلفك، ولا شيء يستحق التوقف عنده، أو قطع تراتبية البرامج لإعطائه الأولوية. الكل ساكن وقار وعادي.
هذه أمور تحدثنا فيها كثيرا، وتحدث فيها غيرنا أيضا، وننتظر الكتاب الأبيض الرسمي "المنتظر"، لينبئنا بالسر في ذلك، والسبل القمينة بتجاوزه. هذا من وجهة النظر العامة. أما في حالة مدير جريدة المساء، فيجب أن نسجل بعض الملاحظات الأساسية حول خلفيات التجاهل والتعتيم الذي يطال متابعته:
أولا: هذه القنوات التلفزيونية، لا سيما القناة الأولى والثانية ذوات الوظيفة الإخبارية نسبيا، لما ولم تعبر يوما عن نبض الشارع، ولا عن القضايا الكبرى التي يعيشها المغرب منذ مدة. هي قنوات مخزنية بامتياز، العبرة لديها هي رضى المستويات العليا ولوبيات المصالح وأصحاب النفوذ عنها. وهذا واضح جلي بالقناة الأولى، وصارخ وفظيع بالقناة الثانية، حيث المقياس هو مستوى ودرجة رضى هاته المستويات عما يقدم.
ولما كانت جريدة المساء، لا سيما ما يصدر عن نيني مباشرة، غير متساوق مع هذه الخلفية و"المرجعية"، فمن الطبيعي أن تتجاهله هذه القنوات، وتعتم عليه، لا بل ولربما تتشفى فيه، سيما عندما تتعرض الجريدة لخلود العرايشي بالإذاعة والتلفزة، وتغطي التجاذبات الجارية بالقناة الثانية مع مديرة في الأخبار، تبين الأخبار المقدمة، طبيعة التصور الذي لديها.
ثانيا: القنوات التلفزيونية المغربية لا تعمل بمبدأ السبق في نقل الأخبار، أو التفرد في تغطية مجريات الأحداث. إنها تشتغل وفق ما يتوفر دون جهد يذكر، وإن لم يتوفر، فمعناه بالنسبة لها أنه غير موجود جملة وتفصيلا. بالتالي، فأنا أعتقد أن اعتقال نيني هو مصدر سبق، لأن الشخص غير عادي في المشهد الإعلامي المغربي، والمكتوب تحديدا. تجاهل الواقعة، وعدم تواجد كاميرت القناتين بالمحكمة، أو محاولة استقاء رأي الجمهور فيما وقع، هو أمر غير مفكر فيه أصلا، فما بالك أن يتم اعتماده. أنا أقول عن الشخص غير عادي، قياسا إلى الرواج الواسع للجريدة، قياسا إلى الملفات الحساسة والدقيقة التي أثارها، وقياسا إلى حجم الاختلاف حوله بين متبن لخطه التحريري، وبين من يرى في ذلك مجرد شعبوية مجانية.
كان بودي أن أرى ذلك بالقناتين، لا بل والتضامن معه ولو ضمنيا، لأن آلة المتابعة القضائية باتت وصفة عامة، وقد لا يسلم منها هذا الصحفي أو ذاك، حتى وإن كان رسميا اليوم.
ثالثا: ليس سرا القول بأن نيني خلق له من الأعداء أكثر ما خلق من الأصدقاء. وهذا أمر طبيعي في صاحب جريدة منسوب الجرأة فيها متقدم نسبيا، وطريقة تناولها للقضايا مختلفة إلى حد ما، وتوفرها على مصادر في الخبر طازجة وموثقة. هذه الطريقة في الأداء جرت على صاحبها أعداء هنا وهناك، سيما ممن يسبحون في الماء العكر، وهم كثر يصعب حصرهم بالمغرب. ولا أخفيكم أني غالبا ما جاهرت بالقول بأن مصير نيني سيكون اغتيالا مدبرا بحادثة سير مفبركة، أو أنه سيجرجر للمحاكم بدعوى ملفقة أو بادعاء من لدن أحد يراد أن "يأكل الشوك بفمه". وها هي النبوءة السوداء قد تحققت.
المساء: كيف تنظر إلى واقع الإعلام المغربي لاسيما الصحافة المكتوبة؟
يحيى اليحياوي: لا أظن أن ثم بالمغرب صحافة مكتوبة بالمعنى المنظومي للكلمة، فما بالك أن يكون ذلك على مستوى الإعلام. هناك مجموعة جرائد ومنشورات (حوالي 550 منبرا)، ثم صحفيين ومدراء جرائد، ثم موزعين، ثم جمهورا لا يعير كل هذه العملية قيمة تذكر، بدليل أنه لا يقتني إلا النذر القليل منها...حوالي 250 على 300 ألف نسخة، أي ما يعادل مستوى سحب جريدة يومية كجريدة الخبر الجزائرية لوحدها.
هذه الصحف تقتات من الدعم الحكومي ومن بعض الإشهار، لا بل ثمة العديد من هذه الصحف الحزبية لا تبيع بعض نسيخات، ومع ذلك تتحصل على دعم من المال العام ظلما وعدوانا، أو مما قد يجود به أحيزون شخصيا دون معيار دقيق، اللهم إلا معيار المجاملة والابتزاز وعدم التعرض.
لو تسألني عن السمة المميزة لهذه الصحافة، لقلت التالي: لقلت إنها تعيش أزمة مصداقية حقيقية منذ مدة ليست بالقريبة. هذه الأزمة متأتية بالنسبة للصحافة الحزبية، من صحف الأجهزة الحزبية ونفور الناس منها، لا بل وتحميلها المسؤولية في ما آل إليه وضع البلاد. أية مصداقية لجرائد حزبية كانت الأحزاب الثاوية خلفها قوية بالمعارضة، فإذا بها، وهي بالحكومة، تلوك وتبرر السياسات وتدافع عن واقع الحال القائم تحت هذا الشعار الكاذب أو ذاك؟ وأية مصداقية لصحف تدمن الكذب والتضليل ولا ثقافة قرب لديها في تغطيتها للأحداث أو الوقائع؟
صحيح أن الصحافة الغير حزبية، الأسبوعية واليومية، قد استطاعت تحقيق بعض الانفراج في هذا الواقع القاتم، لكن ماكينة التطويع لا تتوانى في الضغط عليها، أو متابعة القائمين عليها، أو خنقها بمنع الإشهار عنها، أو اختلاق الادعاءات لإغلاق هذا المنبر أو ذاك. وهذه أمور باتت جلية ولا مجال للتفصيل فيها هنا.
ثم إن هذه الأزمة هي أزمة ثقة. فالقراء، على قلة عددهم، لا يثقون فيما تكتب الصحف والمجلات الدورية، لأنهم لا يجدون بها ما يعتمل بالواقع من بين ظهرانيهم. إنهم يجدونها بعيدة عنهم، لا تتجاوب معهم، تمارس التضليل عليهم ولا تستحضرهم بالمرة عند ممارستها لمهنة الصحافة. إنها ليست جرائد، إنها كائنات ورقية هجينة في شكلها وفي مضمونها.
ثم هي أزمة منظومة مؤسساتية، متمثلة في وزارة في الاتصال لم تنجح لحد الساعة في إفراز مجال صحفي سليم، يدفع بالاختلاف، ويجنب المهنيين عواقب المتابعات على خلفية من القوانين الجائرة، كقانون الإرهاب مثلا. وهو تقصير نتفهمه، على اعتبار أن الوزارة المذكورة لا سلطة معنوية لها على الحقل الإعلامي، لكننا لا نفهمه بالمرة، لا سيما وأن قانون الصحافة لا يزال يراود مكانه منذ مدة لهذا الاعتبار أو ذاك.
قد يكون ترك العديد من المهنيين لمجال الصحافة المكتوبة لفائدة الصحافة الرقمية، أحد نتائج وتداعيات هذه الحالة، لكنني أعتقد جازما أنه ليس لدينا الصحافة المكتوبة التي نستحق أو التي تستحقنا.
المساء: ما تعلقيك على متابعة نيني بالقانون الجنائي؟
يحيى اليحياوي: لا أخفيك أني كنت من مدة، ضمن العديد من الناس، متيقنا بأن مدير جريدة المساء سينتهي حتما بردهات المحاكم، أو أن تلفق له تهمة من التهم، أو يعمد إلى إغلاق منبره جملة وتفصيلا، بمبرر وبدون مبرر. وأنا اليوم حزين لأن هذا وقع، ليس فقط لأن رشيد نيني صديق أعتز به، مع اختلافي الطبيعي مع بعض من آرائه، وعدم رضاي عن أكثر من رأي عبر عنه، ولكن أيضا لأني لا أستسيغ بالمرة فما بالك أن أفهم أو أتفهم، اعتقال شخص كونه عبر عن رأي، أو أبدى تحفظا، أو أدلى بموقف أو ما سوى ذلك. هذا أمر يجعل الدنيا تضيق بي، وتحول دون وصل الهواء لرئتاي.
بحالة نيني أنا لا أفهم لماذا يتابع الرجل في حالة اعتقال، ولكأنه ضبط متلبسا، في حين أنه كان يعبر عن رأيه، ويقدم معطيات هو نفسه يتحدى من يستطيع تكذيبها. وهو حال سلسلته عن تقارير المجلس الأعلى للحسابات مثلا. الرجل هنا لم يأت بشيء من عنده، بل ارتكز على ذات التقارير وطالب بتحريك عجلة القضاء بوجه من هم مذكورون بالتقرير ليس لا.
من جهة أخرى، فالرجل لم يكن يخفي بأن له مصادره في الوصول للخبر، وكان يدفع بمبدأ سرية المعلومات، باعتباره جزءا من أخلاقيات المهنة، وكان لا يتوانى في القول بأنه يتحدى من يكذب ما يقدم من معطيات وأرقام وحقائق. الرجل كان واضحا بهذه الجزئية.
تسألني لماذا يتابع على خلفية من استحضار مواد القانون الجنائي، أقول لك التالي: الصحفي مواطن كغيره، ما يطبق عليه، يطبق على غيره، لا ميزة له بهذا الجانب. بالتالي فنيني أو اليحياوي أو غيرهما يساءلون ويجب أن يساءلون عن تصرفاتهم ويخضعون للمساءلة فيما يصدر عنهم. هذا أمر لا يجب على المرء أن يزايد علينا فيه.
ثم إن الرجل لم يثبت عليه جرم معين ومحدد، بل أن ما صيغ بمحتويات ملف المتابعة، من قبيل المس بأمن النظام أو الإسهام في زعزعته، هو من مسوغات النظم الشمولية، ونحن في المغرب، أو هكذا يبدو لي أنا المواطن البسيط ولربما المغفل، بصدد محاربة الفساد، وصياغة دستور جديد، وتدقيق البنود القانونية والتشريعية التي تخضع للتمطيط وعدم التدقيق. كيف نتابع صحفيا على أساس من بند في القانون قد يحيل على البراءة، وقد يترتب عنه حكما بالسجن أو الإعدام إن دفع بالأمر إلى أقصى مدى ممكن؟
التخوف هنا ليس نابعا من شعور انطباعي عادي، بل هو إحساس موضوعي، لا سيما في ظل قضاء غير مستقل، مرتشي، مرتهن، ويخضع لسلطة الأوامر المباشرة من لدن أولي الأمر.
أنا أعتقد وعلى قناعة تامة، بالبناء على أساس ما سبق، بأن نيني ليس مجرما حتى يخضع للقانون الجنائي، ولم يتجاوز على ما تخضع له المهنة حتى يطبق عليه "قانون" الصحافة. إنه متابع قضائيا بسبب آرائه، ولفضحه سلوك المخابرات بالتحديد في المدة الأخيرة. وعليه فإن الحكم عليه سيكون رسالة له ولغيره، آتيا من معتقل تمارة وليس بالقطع من ردهات المحكمة.
لذلك، فأنا لا أخفي تعاطفي المطلق مع رشيد نيني في محنة عابرة أحسده عليها، بل مع كل من طاولهم الظلم والحكرة وما يزال، وضمنهم معتقلو تمارة السابقون والحاليون، ولا أتمنى أن يكون ثمة لاحقون بهذا المعتقل الرهيب.
جريدة المساء، 16 ماي 2011