Aller au contenu principal

"مجتمع المعلومات لا مجتمع الإعلام والمعرفة"

أود أن أبدأ هذه الورقة بثلاث ملاحظات هي في الحقيقة ثلاثة تحفظات على عبارة "مجتمع الإعلام والمعرفة" الواردة كعنوان لهذه الندوة والمروجة أيضا بالعديد من الكتابات والخطابات حول هذه الإشكالية:

+ الملاحظة الأولى أن عبارة (وليس مفهوم) "مجتمع الإعلام" هي ترجمة لعبارات أجنبية إنجليزية وفرنسية لكنها تبقى غير دقيقة كونها لا تحيل إلا على مجالي المكتوب والمسموع والمرئي وتتجاوز على المرافق الأخرى (سيما الاتصالات والمعلوماتية والنشر الألكتروني) الذي هو تكملة العناصر كلها.

العبارة إذن تضيق من مساحة المجال المراد تغطيته وتأطيره.

+ لهذا السبب (وهذه ملاحظة ثانية) فإني أفضل عليه عبارة "مجتمع المعلومات" على اعتبار الطفرة التكنولوجية التي طاولت، ولأكثر من عشرين سنة، مجال إنتاج وتخزين وتوزيع وإرسال واستهلاك المعلومات، وذلك على مستوى البنى المادية التي تتيح ذلك كما على مستوى المضامين والمحتويات وبمختلف أشكالها المكتوب منها كما المرئي كما المسموع بطريقة تزامنية ودونما تمييز كبير في الرسالة أكانت معطى أم صورة أم صوتا.

+ الملاحظ الثالثة تتعلق بعبارة مجتمع المعرفة المراد ربطها هنا بالإعلام أو بالمعلومات.

عملية الربط هاته هي أيضا غير سليمة منهجيا لسببين:

°°- أولا لأن المعرفة تشتغل وفق منطق المدى الطويل ولا تعير كبير قيمة للآنية أو للسرعة أو للوقت القصير...في حين أن المعلومة تشتغل على هذا الأساس، أساس الآنية والسرعة الضوئية (بتعبير بول فيريليو) وقياسها هو المدى القصير. بالتالي فالربط هنا هو ربط بين مديين من الزمن مختلفين وهي مسألة غير سليمة من الناحية المنهجية على الأقل.

°°- ثانيا، تحول المعلومة إلى معرفة يخضع لعملية تملك وصيرورة اجتماعية وثقافية ونفسية لا تتحول المعلومة بمقتضاها إلى معرفة (ثم إلى ثقافة) إلا إذا اجتازت مراحل من الاختمار والقابلية على الإدماج وعمليات تعلم مستمرة...وهو إشكال لا يهم المعلومة كثيرا كونها مارة، عابرة وغير قارة.

لهذه الاعتبارات ولغيرها، فإذا سلمنا جدلا بأن العالم اليوم يعيش عصر المعلومات أو تحول إلى مجتمع للمعلومات، فإنه لم يبلغ بعد مجتمع المعرفة ولا المجتمع المعلوماتي حتى وهذا الأخير يتميز عن الآخرين بكونه ترجمة لتغلغل المعلومة في جل المعمار الاقتصادي والاجتماعي والثقافي وما سواهم...وهو أمر فصل فيه مانويل كاسطيل في ثلاثيته الضخمة عن "عصر المعلومات" ولا مجال للخوض فيه هنا.

بلوغ أو إدراك مجتمع المعلومات ومن بعده المجتمع المعلوماتي ثم مجتمع المعرفة (ولو من الناحية النظرية الخالصة) يفترض في تصورنا الخاص، توفر معمار من ثلاث ركائز:

+ الأولى، بنية تكنولوجية متكاملة ومستقرة، مندمجة فيما بين عناصرها ودامجة للاقتصاد، للمجتمع، للثقافة وللفضاء أيضا لتجنب الفجوات الترابية والرقمية والثقافية وما سواها.

هذه البنية هي التي من شأنها أن تحول المجتمع من مجتمع صناعي أو ما بعد صناعي إلى مجتمعات شبكية أو مجتمع شبكي وفق نظرية الشبكات.

هذا المعطى معطى موضوعي ولا يمكن لحديث عن مجتمع المعلومات أن يستقيم في إغفاله أو استبعاده أو التجاوز عليه.

لو أردنا أن نتحدث بلغة التحديات الواردة بالعنوان الفرعي لهذه الندوة لقلنا إن التحدي الأول والأساس لمجتمع المعلومات إنما هو بامتياز التحدي التكنولوجي وهو ما يفترض الحديث عن اقتصاد المعلومات قبل مجتمع المعلومات وهذا موضوع آخر.

+ الركيزة الثانية، أن مجتمع المعلومات يفترض توفر بنيات لإنتاج المضامين والمحتويات والمعارف التي من المفروض أن تقتني الشبكات أو يتم تداولها عبر هذه الأخيرة.

وأعني هنا تحديدا توفير قواعد وبنوك المعطيات، توفير البرامج التعليمية والجامعية والترفيهية القار منها كما التفاعلي سواء بسواء. وأعني أيضا رقمنة ما هو متوفر بالمكتبات العمومية والخاصة والجامعات والمتاحف والآثار وما سوى ذلك.

+ الركيزة الثالثة، توفير إطار مؤسساتي يضمن حرية الإبداع، يضمن الحق في الاعلام والاتصال والحق في المعرفة ويؤطر لحقوق الأفراد والجماعات داخل هذا المجتمع (ملكية فكرية، حقوق المؤلف...الخ).

هذا الجانب كامن إذن في ضرورة توفر الإطار القانوني وكامن أيضا في ضرورة صياغة قانون أسمى لبلوغ المعلومات وتداولها دون حيف ولا إكراه.

هذه، بتصوري الخاص، هي الركائز الكبرى التي لا بد من توفرها أو استحضارها حتى يستقيم كل حديث عن هذا المجتمع.

لو حاولنا استقراء واقع حال  المغرب بهذه المجال على ضوء هذه المعطيات للاحظنا التالي:

+ البنية المادية لاستنبات هذا المجتمع غير متوفرة أو لنقل متواضعة أو لنقل دون المستوى المطلوب:

°°- مرأب معلوماتي ضعيف جدا

°°- قطاع سمعي – بصري رديء للغاية أجهزة وإنتاجا

°°- قطاع في الاتصالات أضحى قطاع متاجرة في الأجهزة والخدمات المستوردة (بالمعنى الريعي للكلمة). فلا هو استطاع موطنة ما يستورده من أعتدة ولا استطاع إقامة بنية تكنولوجية تكون في مستوى التحدي.

نحن إذن أبعد من أن نكون بإزاء بنية تكنولوجية بالمعنى المنظومي للكلمة لإسناد هذا المجتمع.

+ ثانيا، إنتاج المضامين والمحتويات أو رقمنة ما يتوفر منها يكاد يكون منعدما اللهم إلا بعض المجهودات الخاصة. ولو نظرنا إلى موقع الوزارة بالإنترنيت مثلا التي تدفع بخطاب مجتمع الإعلام والمعرفة لوجدناه فارغا وغير ذي قيمة.

+ ثالثا الإطار المؤسساتي وإن كان لا بأس به من ناحية التشريعات وبناحية القوانين لكنها تبقى مشتتة وغير مجمعة بنص واحد (الحق في الإعلام مثلا يقال إنه مضمون لكنه مشتت بين نصوص الدستور والقوانين الأخرى وغير مجمع).

ثم نحن بالمغرب لا نتوفر على قانون أسمى لبلوغ المعلومات وهذا ما يحول دون وصول الأفراد والجماعات إلى معظم الوثائق التي تكتنزها المؤسسات الرسمية وما سواها.

هذه باختصار كبير لدرجة الاختزال المحاور الكبرى التي لا بد من استحضارها لدى الحديث عن موضوع كهذا. وقد فصلت في العديد منها في العديد من الدراسات بالإمكان مراجعتها على موقعنا الخاص:

مداخلة بندوة "مجتمع الإعلام والمعرفة: التحديات والرهانات"، جريدة المستقل-المدرسة العليا للدراسات التجارية والمعلوماتية، الرباط، 13 ماي 2005.

 

Vous pouvez partager ce contenu