Aller au contenu principal

"عن الآية من منع بعض الفضائيات"

news-details

عمدت "الحكومة العراقية المؤقتة" مؤخرا إلى إغلاق مكتب قناة الجزيرة بالعراق لمدة شهر كامل استتبعته، أياما قبل انقضاء هذه المدة، بقرار يمدد قرار الإغلاق إلى أجل غير مسمى...أي إلى أن تنتفي الأسباب التي على أساسها اتخذت "الحكومة" إياها قرار الإغلاق المحدد زمنيا وقرار التمديد المفتوح.

بالتزامن مع ذلك (أو على الأقل في سياق التوجه ذاته) رفع المجلس الأعلى للاتصال السمعي-البصري بفرنسا طلبا استعجاليا لمجلس الدولة (وهي المحكمة الإدارية العليا أسمى مستوى قضائي بالبلاد) للتدخل من أجل إصدار أمر إلى المشغل الأوروبي لشركة يوتلسات للأقمار الصناعية بوقف بث فضائية المنار التابعة لحزب الله اللبناني.

من البديهي حقا ملاحظة تباين السياقان: فالعراق ساحة حرب بكل المقاييس يستوظف فيها الطرفان ("الحكومة المؤقتة" وقوات الاحتلال الأنجلوأمريكية من جهة والمقاومة العراقية الشرعية بكل أطيافها من جهة أخرى) يستوظفان فيها قوة النار والحديد (كل وفق مستطاعه) ورمزية الصوت والصورة للتأثير المعنوي في بعضهما البعض...في حين أن الحال بفرنسا مختلف تماما على الأقل منذ خروج القوات الألمانية المحتلة لها أواسط أربعينات القرن الماضي.

ومن البديهي أيضا (بناء على ما سبق) ملاحظة تباين أسلوب التعاطي بين الحالة الأولى والثانية:

+ فمكتب الجزيرة بالعراق أغلق بأمر إداري على ما يبدو، تكفلت بتنفيذه عناصر من الشرطة في عملية مداهمة لمقر الجزيرة ببغداد دونما إشعار رسمي مسبق لها.

+ في حين أن إجراءات المطالبة بمنع بث المنار بفرنسا خضعت للمسطرة القضائية وانبنت على بنود قانون في الاتصالات الألكترونية والإعلام المرئي والمسموع صادر شهر يوليوز الماضي.

لا يقتصر أمر التباين عند السياق القائم أوالأسلوب المعتمد لإغلاق مكتب الجزيرة بالعراق و منع بث قناة المنار بفرنسا، بل يتعداه إلى الدفوعات المقدمة والمسوغات الثاوية خلف قرار الإغلاق في الحالة الأولى وقرار المنع في الثانية:

+ فالمجلس الأعلى للاتصال السمعي-البصري سوغ (شكلا بالأساس) لطلبه بمنع المنار كون هذه القناة " لم توقع أي اتفاق مع إحدى الدول الأوروبية"... وسوغ له، من ناحية  المضمون، بكون القناة " تمرر صورا وتصريحات لا تحتمل إطلاقا"...وهو ما يتعارض مع مهمة المجلس الكامنة في "الحرص على عدم تضمن البرامج الإذاعية والتلفزية أي تحريض على الحقد أو العنف لأسباب تتعلق بالجنس أوبالآداب أوبالدين أو بالجنسية".

+ في حين أن "الحكومة العراقية" (وقوات الاحتلال من بين ظهرانيها) لم تسوغ لذلك بنص واضح ولا احتكمت في قرارها إلى حيثيات قانونية يبرر لها ذات السلوك.

فهي تارة تتهم فضائية الجزيرة ب " تضخيم ما يجري بالعراق" وتارة ب " تعاطفها مع المقاومة" وتارات عدة بكونها أضحت "فضائية المختطفين" تمرر لهم الصور والبيانات وتارات أخرى باعتبارها "منبرا لا يريد الخير للعراق وللشعب العراقي"...وهكذا.

كل المسوغات دفع بها (لدرجة الاتهام بالعمالة حتى) كي يتم "للسلطة القائمة" إغلاق مكتب الجزيرة وهي التي (الجزيرة أعني) لم ترض عن أدائها يوما لا قوى الاحتلال ولا الجماعات التي صاحبتها عندما تأكد لها أن نظام الرئيس صدام حسين آيل للسقوط دونما  مكابرة كبرى تذكر.

نحن إذن في حالة المنار والجزيرة إنما بإزاء حالتين من المنع لكل منهما سياقه ودفوعاته وتبريراته و كذلك نهجه ووسيلته في التنفيذ.

لا يبدو لنا من الأهمية بمكان حقا التوقف عند الإجراءات الشكلية التي اعتمدت لإغلاق مكتب هذه القناة أو منع تلك ببلاد معينة، بقدر أهمية الوقوف عند الأسباب القمينة خلف هذا القرار أو ذاك والتي لم تأت الإجراءات إياها (كائنا ما يكن شكلها) إلا لتصريفها أو لترجمتها بغرض إضفاء الشرعية (بفرنسا) أو بعضا منها كما هو الشأن بحالة العراق.

والحقيقة أن الأسباب الحقيقية  الكامنة وراء كل ذلك إنما يجب البحث عنها بارتباط ومواضيع أخرى تبدو للبعض مبطنة لكنها واضحة جلية:

+ فالمجلس الأعلى للاتصال السمعي-البصري بفرنسا (وقوى الضغط القائمة ضمنه أو من بين أعضائه) لم يعمد إلى طلب منع بث المنار كونها تمرر "لآراء وتصريحات لا تحتمل"، ولكن أساسا لأنه (المنار أعني) فضح عبر مسلسل "الشتات" الذي تعرض لبروتوكولات حكماء صهيون ولتاريخ نشأة وتطور الحركة الصهيونية بالعالم، فضح الخلفية الإيديولوجية التي على أساسها عمد إلى إقامة دولة إسرائيل بأرض فلسطين.

بالتالي، فعرض المسلسل إياه (ومن قبله مسلسل "فارس بلا جواد") إنما كانت القشة التي قصمت ظهر البعير...ليس لأن القوانين الفرنسية متعاطفة مع الإيديولوجيا الصهيونية، ولكن أساسا بحكم النفوذ الصهيوني المتواجد بكل المستويات بفرنسا.

+ لا يختلف الأمر في حالة الجزيرة بالعراق. فالقناة لم تتبن يوما (فيما نتصور) طيفا من أطياف المقاومة العراقية (كيف لها ذلك وميزانيتها متأتية من دولة قطر مركز القيادة الأمريكية بالخليج؟) ولم تحرض فيما نعتقد جهة على جهة أخرى وهكذا.

حاصل الأمر حقا أن الإدارة الأمريكية (والحكومة الناطقة باسمها في العراق) لم تستسغ يوما خط الجزيرة التحريري ولا طريقة تغطيتها لما يجري بالعراق، بل نادرا ما يخلو حديث مسؤول سياسي أو قائد عسكري من التعبير عن تذمره لما تقدمه القناة من معطيات وصور تبلغ ذروة الامتعاض لديهم عندما تعرض القناة للقتلى الأمريكان أو لرسائل المقاومة التي غالبا ما يكون للقناة السبق في تمريرها.

من غير المبالغ فيه حقيقة القول بأن فضائية الجزيرة إنما كان من شأن ادائها إرباك سياسة الاحتلال بالعراق ونعتها إياها لها بالفاشلة سيما مع اقتراب الانتخابات بأمريكا ومراهنة اليمين الحاكم على تمديد ولايته بالسلطة.

وعلى هذا الأساس، فإنه لو اختلف السياق وتباينت الظروف بين حالة المنار وحال الجزيرة فإن المحصلة النهائية لا تبدو لنا مختلفة كثيرا:

+ فمنع بث فضائية المنار بفرنسا إنما يدخل في خانة تكميم الأفواه وحجب الصور عن كل ما يتعلق باليهود أو بالصهيونية أو بإسرائيل.

صحيح أن فرنسا دولة قانون ومؤسسات ونادرا ما تلجأ الدولة إياها لاستصدار قرار إداري إلا إذا كانت له خلفية قانونية أو سوغه القضاء بالواضح الصريح.

لكن ذات القاعدة إنما تغدو الاستثناء كلما تعلق الأمر بما أضحى منذ ما يزيد عن نصف قرن يسمى ب "معاداة السامية" يسوغ لإسرائيل السلوك ويعتبر ما يصدر عن العرب معاداة لليهود، استهدافا لهم بإسرائيل كما بكل بقاع العالم.

+ وإغلاق مكتب الجزيرة بالعراق إنما يندرج ضمن سياق التعتيم الذي تمارسه الإدارة الأمريكية وتمرره ليضحو (داخل "الحكومة المؤقتة") ولكأنه من صنيعة هذه الأخيرة شكلا وتبريرا في المضامين.

الإدارة الأمريكية انحشرت قلبا وقالبا في مستنقع واسع تتحكم في أطرافه مقاومة عنيفة، عنيدة ومتكتمة لدرجة يتعذر الإمساك بخيوطها بدقة.

بالتالي، فالذي يربك الأمريكان حقا (كما الحكومة المؤتمرة بأوامرهم) إنما قدرة المقاومة إياها على تجنيد منبر قوي كمنبر الجزيرة يتحدوا من خلاله الأمريكان كما الحكومة إياها سواء بسواء.

ليس من العيب في شيء أن تلجأ دولة ديموقراطية كفرنسا إلى إعمال مبدأ القانون (والاحتماء بالقضاء) لمجابهة هذا التجاوز أو ذاك، لكن الحاصل في حالة قناة المنار إنما مطالبة المجلس الأعلى للاتصال السمعي-البصري لمجلس الدولة توسيع مجال صلاحياته للتصدي لحالة محددة لا تسترعي حقا تحريك كل دواليب المؤسسات بما فيها مؤسسة القضاء.

وليس من العيب أيضا أن تعمد حكومة (سيما لو كانت تعيش في ظل ظروف استثنائية) إلى تحييد كل ما من شأنه أن يؤجج المشاعر أو يؤنب جزءا من الرأي العام على الجزء الآخر.

 ليس من العيب إطلاقا ذلك، لكنه كل العيب في حالة تعامل "الحكومة العراقية المؤقتة" مع قناة الجزيرة وهي التي (الجزيرة أقصد) لم تعمل إلا على نقل ما يجري بالصوت والصورة والتعليق وبالمباشر الحي استلطفتها بعض أطياف المقاومة فمنحتها امتياز تمرير بلاغاتها وبياناتها والأشرطة الموثقة لنشاطاتها.

إنه لمن المجحف حقا أن يمنع بث فضائية كونها وثقت بالصوت والصورة (وعلى أساس من المراجع المحكمة) لبروتوكولات تدين إيديولوجيا أو تندد بمرجعية.

ومن الإجحاف أيضا أن يطلب من فضائية لها بعض من المصداقية (بصرف النظر عن الموقف منها) أن تتماهى وما تمارسه قوى الاحتلال بالعراق أو تبدو من خلاله "الحكومة العراقية" ولكأن بيدها السلطة والقرار.

لم تخلق المنار البروتوكولات ولا كانت الجزيرة خلف اندلاع المقاومة منذ سقطت بغداد...ما الآية إذن من الحيلولة دون إثارة هاته أو تلك والتعرض لها بشكل من اشكال التعبير سيما المصورة منها؟

إن الآية من كل ذلك إنما العمل من لدن "سلط العالم الجديدة" على عولمة إيديولوجيا الفكر الواحد ومنطق الصورة الواحدة التي لا تكتفي بقتل القدرة على التميز (سيما لو كان مصدره عربيا أو إسلاميا) بل بإلغاء كل من يدعي ذات القابلية ويعمل على إبرازها.

إن الثاوين خلف منع تلفزيون المنار وإغلاق مكتب الجزيرة إنما هم واعون بأن ساحات الحرب الجديدة إنما أضحى مكمنها الصورة بكل تلاوينها وليس فقط المدفع أو الطائرة.

* "عن الآية من منع بعض الفضائيات العربية"، جريدة العلم، 3 أكتوبر 2004، القدس العربي، 8 أكتوبر 2004.

Vous pouvez partager ce contenu