Aller au contenu principal

"عن اتصالات المغرب والتحرير والخوصصة"

news-details

من خمس سنوات مضت تعرضنا بالتحليل والنقد للقانون 24/96 الذي تمت بموجبه خوصصة جزء من رأسمال اتصالات المغرب في "أكبر صفقة" عرفها تاريخ الاتصالات بالمغرب ولربما تاريخ المغرب برمته.

والواقع أن تحفظنا على القانون إياه، لدرجة المناهضة العلنية، لم يطل فقط بنوده أو مواده أو هشاشة "التزكية" التي لاقاها بغرفتي البرلمان، بل وأيضا طبيعة التدبير التي خضع لها شكلا وفي المضمون.

قلنا في حينه كما قال بذلك غيرنا:

+ بأن القانون استهدف تحرير سوق الاتصالات بالمغرب بهدف تحفيز الاستثمار وإذكاء المنافسة وبعث الروح في قطاع أضحى بفضاءات أخرى منجم تنمية وشغل ومصدر بحث علمي وإبداع تكنولوجي وما سوى ذلك.

لم نستسغ من وقته كيف تسنى توظيف ذات القانون لبيع 35 بالمائة من رأسمال الفاعل الرئيسي في الاتصالات في حين أن الوارد بالقانون بالواضح الصريح إنما فتح بنى السوق وتمكين الفاعلين الجدد من بلوغه حتى دونما المساس بطبيعة الملكية العمومية لذات الفاعل؟

+ وقلنا في حينه إن عملية تقييم ممتلكات المؤسسة لم تكن مضبوطة ولا مدققة بالجدية المطلوبة ولا محاطة بالضمانات الضرورية. ولما لم يكن كل ذلك متوفرا فإن تفويت ال 35 بالمائة من رأسمال ذات المؤسسة لم يجن إلا أقل من مليارين ونصف من الدولارات في حين أنه كان من الممكن أن تأتي هذه النسبة بعائدات خمس مرات وأكثر ما تم تحصيله.

+ ونبهنا، فضلا عن كل ذلك، من مخاطر ربط عائدات عمليات الخوصصة من هذا القبيل بقوانين المالية المحكومة بإكراهات التوازنات وضغوط المؤسسات الدولية، وطالبنا بإدماج ذات العمليات في مشاريع إنمائية مباشرة يحكمها مبدأ الاستثمار المنتج وليس ردهات مصالح قطاع المالية.

+ وزعمنا، في ظل ذلك، أن فيفاندي يونفرسال لن ترض إطلاقا بشريك يتقاسم معها ملكية المؤسسة وتدبيرها بل ستعمل جاهدة على استجلاب ال 16 بالمائة التي تفصلها عن الأغلبية المطلقة بطريقة مباشرة أو عبر تحايل مالي مبطن...لا بل اعتقدنا جازمين أن لدى المجموعة الفرنكوأمريكية "وعدا رسميا" بأن ال 16 بالمائة آيلة لها لا لغيرها قطعا.

+ واندهشنا مع مرور الوقت أن مالكي ال 35 بالمائة هم المتحكمون في مجلس إدارة الشركة هم الذين يوجهون سياستها هم المقررون (حتى في أقليتهم) في حين أن ممثلي الدولة المغربية (مبدئيا) هم التابعون هم الخدم هم الدهماء  بلغة الرومان.

هو إذن واحد من أمرين ليس إلا:

°- إما أن المجموعة كانت (ولا تزال) تتصرف على اعتبار أن ما يفصلها عن التحكم في المجلس برمته آت لا قدرة لأحد على رده  ولربما بالتزام رسمي أعلى من المستحيل حقا التغاضي عنه.

°- أو أن هناك تعهدا قبليا (واردا بعقد التفويت الأول) يتيح للمجموعة إياها التحكم في مستوى القرار ويبيح لها الأمر والنهي دونما احتكام لمبدأ الأغلبية والأقلية.

وعلى الرغم من التكذيب الذي طاول ما ذهبنا إليه (وذهب إليه غيرنا أيضا) ومن المزايدات العابرة المتأتية من هذه الجهة أو تلك فإن واقع الحال قد قوى من اعتقادنا حتى باستبعاده من لدن متبني الفكر الواحد:

+ فتفويت ال 35 بالمائة من رأسمال اتصالات المغرب لم يفرز تحريرا كما دفع بذلك نص القانون اللهم إلا بيع الخط الثاني للهاتف النقال والذي لم يفرز بدوره تحريرا بالسوق بقدر ما أفرز احتكارا ثنائيا هو أقرب (في نظريات الاقتصاد الصناعي على الأقل) إلى الاحتكار المطلق منه إلى المنافسة حتى في أسمى حالات تقنينها.

وعلى هذا الأساس فإن الثابت أن القانون 24/96 والقرارات المترتبة عنه لم تكن تتغيأ التحرير إلا من باب التجاوز بقدر ما كانت تستهدف الخوصصة.

+ وتقييم ممتلكات المؤسسة لم يكن بالدقة المطلوبة ولا كان خاضعا لمقاييس علمية محددة.

إذا لم يكن الأمر كذلك فما السر في استدعاء مجموعات للتقييم جديدة بغرض الوقوف عند ثروة المؤسسة في أفق تمرير ال 16 بالمائة؟ وما السر في عمليات التأجيل التي تخص التمرير إياه بعدما يكون الاتفاق قد تم حول تاريخ البيع؟ ثم من يقوم حقا على العملية ومن يملك عناصر الملف ومن المفروض مساءلته لهذه الغاية أو لتلك؟

+ ثم ما السر في جدولة "مداخيل" العملية في الميزانية المقبلة مادامت المداخيل إياها لم تحدد بعد بالدقة المطلوبة ولم المراهنة عليها في ميزانية الدولة؟

بهذه النقطة تحديدا لا ينتابنا أدنى شك في أن خلفية العملية إنما هي مالية صرفة بجهة ضمان التوازنات الميكرومالية وضبط العجز الحاصل ولا علاقة لها إطلاقا بمسألة الاستثمار...ألم تذب عائدات ال 35 بالمائة في دهاليز الميزانية والجزء الآخر منها في صندوق الحسن الثاني من شبه المستحيل حقا على المرء أن يتثبت من طبيعته "الاستثمارية"؟ وما صفة ذات الصندوق قياسا إلى وحدة الميزانية؟ وما الآية من عدم إخضاعه للرقابة التشريعية؟

+ ثم لم نستسغ لحد الساعة كيف أضحت ال 16 بالمائة من نصيب فيفاندي بتحصيل حاصل (ولم يعد الأمر إلا مسألة وقت ليس إلا) في الوقت الذي أكد فيه وزير المالية والاقتصاد منذ الصفقة الأولى أن ليس هناك تعهدا بمنح ذات النسبة للمجموعة الفرنكوأمريكية؟ ما السر في عدم طرحها بالمزاد وما السبب في التشبت بذات المجموعة وهي التي ما فتئت تتلكأ وتقدم الأعذار ولكأنها تبدي عدم الاهتمام؟

بالتالي فالشكوك التي أبديناها في حينه إنما تتأكد وتدلل في المطلق بأن المهم في "الصفقة" إنما جانبها المبطن وأن المعلن عنه إنما ترتيبات للتبرير ليس إلا.

+ وعلى هذا الأساس فسلوك فيفاندي بمجلس إدارة الشركة وامتلاكها لحق النقض بداخله (دونما توفرها على أغلبية قانونية) إنما يشي بأن باطن "الصفقة" هو المعمول به وأن ما سوى ذلك هي معطيات للاستهلاك الإعلامي والإيحاء بسلامة المساطر والإجراءات.

 إذ حصول فيفاندي على 16 بالمائة المتبقية لها على الأغلبية القانونية إنما سيكون بمثابة تكريس لواقع قائم لن تنقصه إلا الموسطة التلفزية لعملية تسليم الشيك كما عايشنا ذلك في ظل حكومة التناوب الأولى.

وبناء على هذا فإننا نعتقد أن الذي سنكون بإزاءه بعد تمرير ال 16 بالمائة لفيفاندي يونفرسال نهاية هذه السنة:

°- إنما انتقال الاحتكار من الفضاء العام إلى الفضاء الخاص مع كل ما يستتبع ذلك من تقويض لمبادئ المرفق العام والخدمة العمومية ناهيك عن عمليات التسريح المقنن التي تسلكها المجموعة بأياد وتدبير مغربيين خالصين.

°- وبإزاء تجفيف لمنابع الربح المتوفرة والتي سيكون من شأنها ثني الفاعلين المحتملين (في حال الترخيص للاستثمار في الهاتف القار أو النقال أو الدولي أو الدائرة المحلية أو غيرها) ودفعهم إلى التمنع عن دخول السوق.

لن يكون إذن للمنافسة كبير دور في توسيع السوق (وهو محدود أصلا وإلى حد ما مشبع منذ هبة النقال) بقدر ما ستتحول إلى حرب في الأسعار سيتصارع الفاعلون في ظلها على استجلاب زبناء بعضهم البعض عوض البحث عن زبناء جدد. وهو ما نبهنا إليه منذ فترة طويلة ولربما قبل كل هذا وذاك.

لا ينحصر التحفظ والمناهضة على الصفقة الأولى ولا على خلفيات الصفقة الثانية المزمع إبرامها قبل متم هذه السنة بل ويذهب أيضا ليطاول نسبة ما تنوي الحكومة تمريره من رأس مال الشركة عبر بورصة القيم (من 10 إلى 15 بالمائة وفق ما يروج).

وهو أمر قد لا يكون مثار قلق كبير من الناحية الشكلية على الأقل إذ تداول أسهم شركة ما بالبورصة هو دليل قوة وعافية وعنوانا يضع تدبير الشركة إياها على محك محاسبة مساهميها يرضيهم إن ذر عليهم الأرباح ويدفع بهم  في حالات الخسارة إلى محاسبة المسيرين بل وإلى إعفائهم. كل هذا ليس مجال إشكال.

لكن الحال بالنسبة لاتصالات المغرب مختلف تماما ولا مجال لإعمال النظريات المالية لفهمه:

+ فالشركة اقتاتت بنهم من طفرة النقال فحققت أرقام معاملات خيالية لم تكن لتطمح إليها في غياب الطفرة إياها أو استمرار السياسات العرجاء التي كانت تطبع تسيير شبكة وخدمات الهاتف الثابت.

+ والشركة لن تكون مستقبلا من النجاعة والقوة ما يمكنها من مواجهة الكبار سيما لو انفتح السوق على مصراعيه واشتدت المنافسة وتعذر التقنين وتزايدت صعوبات التنظيم سيما وأن الكل سيراهن على المحور الدولي في استراتيجيته.

+ والشركة فضلا عن كل هذا وذاك بافتقادها للبعد التصنيعي والتطويري في سياستها  لا تراهن إلا على المتاجرة بأعتدة وخدمات تستوردها بالجملة من هذه الدولة أو تلك. بالتالي فهي ستبقى رهينة لما يتاح بالسوق الدولي ولا قدرة لها (ولا رؤية) لتطوير يضمن لها إدماج الاستغلال بالتصميم وبالإنتاج الصناعي كما نعهد ذلك بالخارج.

ومع ذلك فإن عرض نسبة ال 10 إلى 15 بالمائة ببورصة القيم قد يسلم به المرء  لو اعتمد كبالون اختبار توضع على محكه سياسات لم ينفع معها النقد ولا نالت منها المناهضات.

لكن المثير للسؤال حقا إنما قضيتان اثنتان تتراءى لنا ملازمة لمشروع عرض هذه النسبة بالبورصة:

+ الأولى وتتعلق بالمعايير التي على أساسها تم تقييم وتحديد سعر السهم المعروض وهل الجانب المالي في هذه العملية هو المحدد... على الأقل احتكاما إلى أن المجموعات التي تكفلت بعملية التقييم هي مجموعات مالية بامتياز؟

إذا كان الرهان هنا رهان مالي بامتياز (وهو كذلك على الأقل تبعا لتصريحات المسؤولين بالمالية) فما علاقته بعملية التحرير البادية في الأفق والتي من المفروض أن تحكمها اعتبارات اقتصادية بالأساس؟

بمعنى أن المطلوب حقا إنما تحديد ما يؤول للجانب المالي وما يؤول للاقتصادي وتحديد العلاقة بين الدفع بالتحرير من جهة واللجوء إلى بورصة القيم من جهة ثانية...على اعتبار أن عملية التحرير هي التي من المفروض أن تحكم مبدأ تحديد سعر السهم وعرضه بالبورصة وليس العكس.

+ أما القضية الثانية فتكمن في تحديد الجهة الثاوية خلف "ملف اتصالات المغرب بالبورصة" وعلى أية أسس تشتغل وما هي حساباتها راهنا وفي المستقبل؟

لا يروم التلميح هنا إلى الحروب المعلنة (حول الصلاحيات) بين الوكالة الوطنية لتقنين الاتصالات وكتابة الدولة في البريد والتقنيات الإعلامية غادر على إثرها مدير الأولى إلى مصالح البنك الدولي بواشنطن واستغني عن الثاني في تعديل وزاري مباغث...لا يروم التلميح  إلى هذه الحيثية بقدر ما يروم التأكد من قول مسؤول كبير بوزارة المالية مفاده "أن ملف اتصالات المغرب لا يدرس بالمغرب بل بفرنسا عند فيفاندي".

وهو قول إلى حد بعيد صادق ليس فقط لأن قيمة السهم بالبورصة تهم فيفاندي ولكن أيضا وبالأساس لأن ما ستدفعه هذه الأخيرة مقابل ال 16 بالمائة رهين بعملية التقييم هاته...وبنتائجها.

19 أكتوبر 2004

 

 

 

 

 

Vous pouvez partager ce contenu