Aller au contenu principal

"العولمة ومجتمع الإعلام" ليحيى اليحياوي (3-1)

"العولمة ومجتمع الإعلام" ليحيى اليحياوي

يسرى الصديقي

الحديث عن الواقع الإعلامي العالمي حاليا يتصف بالتعقيد وهذا يرجع إلى ثلاثة أسباب: الأول الطابع الاستثنائي للثورة التكنولوجية التي يعيشها العالم.

السبب الثاني: يرتبط بالتحولات المؤسساتية والتقنية الكبرى التي نتجت عن الثورة التكنولوجية حيث تغليب قيم السوق والليبرالية والخوصصة... السبب الثالث: المعتقدات الجديدة المتمثلة في العولمة والمجتمع الإعلامي ومجتمع الإعلام والاتصال ومجتمع المعرفة التي واكبت ثورة تكنولوجيا الإعلام والاتصال. لهذا ستحكم هذه المعطيات الثلاثة العلاقات الدولية بين دول الشمال والجنوب بل أيضا دول الشمال فيما بينها.

لهذا وحسب الكاتب سيكون الضحايا الجدد من الذين لم يعوا فلسفة هذا النظام وفي مقدمتهم دول العالم الثالث خاصة مع ثورة تكنولوجيا الإعلام والاتصال التي ارتبطت بظاهرة الرقمنة حيث تحولت معها المبدلات الاتصالاتية إلى أجهزة معلوماتية ووزعت الخدمات السمعية-البصرية بتفاعلية كبيرة واقتربت أجهزة التلفزة من أجهزة الحاسوب ووصل الهاتف إلى عالم الصورة...

وقد صاحب هذه الثورة التكنولوجية والتشكيك في النظام التقنيني ظاهرة العولمة التي يمكن مقاربتها بمفهوم التدويل ومفهوم تعدد الجنسية أو بمفهوم أكثر حداثة: مجموعة العوامل التي تجعل عددا كبيرا من السلع والخدمات تصمم وتطور وتنتج وتستهلك وتصلح وتقيم على مستوى عالمي. ومعنى ذلك أن العولمة هي نتاج منظمات تعولمت هياكلها بفضل استخدام تكنولوجيا الإعلام والاتصال والمواصلات.

لا يمكن لتكنولوجيا الإعلام كأي تكنولوجيا منقولة أن تكون إيجابية إذا فرضت من فوق. وتتميز دول العالم الثالث بأمرين: (أ)- عقدة الانبهار اتجاه التطور التكنولوجي الراهن مما أدى إلى عقدة الاقتناء (اقتناء صفوة التكنولوجيا). (ب): إن من يقتني هذه التكنولوجيا النخبوية (أي صفوة التكنولوجيا) هم صفوة القوم ونخبتهم.

إن التطورات التكنولوجية المعاصرة هي نتاج عمليات البحث والتطوير في أربعة روافد مركزية: تكنولوجيا الألكترونيات الدقيقة، تكنولوجيا الاتصالات (الفضاء)، تكنولوجيا الأحياء (أو التكنولوجيا البيولوجية) ثم التكنولوجيا النووية.

وقد أدى التطور الحاصل في النوعين الأولين إلى تطور الإعلام تطورا عميقا مما حقق طفرة تكنولوجية غير مسبوقة أسست لما يعرف ب "اقتصاد الإعلام" و"القرية الإعلامية الكوكبية"...وهذه المعطيات هي الاختيارات التي تبنتها دول العالم الثالث بدعوى مسايرة العصر. ففي غياب قيم الإبداع والتجديد ارتأت نخب العالم الثالث الأخذ بقيم غيرها، قيم الآخر وهو ما كرسته عبر "استجلابها" لكل ما جد لديه دون مشاركة في إنتاجه أو إبداعه.

وهكذا فاستجلاب النخب الحاكمة في دول العالم الثالث لم يقتصر على ما هو ضروري ومطلوب اجتماعيا فحسب، بل تعدته إلى "اقتناء" أعقد ما وصلت إليه تطورات تكنولوجيا الإعلام والاتصال.

ما يمكن الخلوص إليه أن التكنولوجيا المستوردة من قبل دول العالم الثالث إنما هي تكنولوجيا الصفوة (أي تكنولوجيا كبار الدولة).

ما يصدق على شعار "النظام الدولي الجديد" الذي تبناه جورج بوش حيث لا يهم الأمريكي هذا الشعار إلا كشعار يردده دون أن يمارسه، ما يصدق على هذا الشعار يصدق كذلك على مشروع الطرق السيارة للإعلام والاتصال. وقد دعا إلى هذا المشروع الرئيس بيل كلينتون حيث أن التداخل سيشمل تكنولوجيا الاتصالات والمعلوميات والسمعي-البصري لدرجة يصعب معها بفضل قوة الرقمنة التمييز بين روافد هاته التكنولوجيات الثلاث.

الطريق السيار للإعلام والاتصال أو الطرق الألكترونية هي شبكة للاتصال عالية السعة يمكن بواسطتها تمرير الأفلام والمعطيات والمحادثات والصور التلفزية...وقد تم تبني هذا المشروع (الطرق السيارة...) من قبل الأوروبيين (فرنسا بالخصوص) واليابان في إطار توسيع الأمريكيين لفلسفته وأهدافه ليشمل مفهوما جديدا، مفهوم "البنية التحتية العالمية للإعلام" الذي من شأنه هيكلة النشاط الاقتصادي العالمي كما اهتم كذلك بالأمر اليابانيون.

العالم الثالث وخطاب الطرق السيارة للإعلام والاتصال

 الملاحظ أن الدول الصناعية الكبرى مثل الولايات المتحدة، فرنسا، اليابان...في إطار التنسيق لمشروع الطرق السيارة وبناء مجتمعات الإعلام لم تفسح المجال لدول العالم الثالث...لم تحض هذه الأخيرة إلا بجمل مختصرة مثل: " ضرورة أخذ دول العالم الثالث بعين الاعتبار"... والمشروع يتطلب أموالا باهظة: عشرات الملايير من الدولارات وعلى امتداد عشرات السنين فهل لدول العالم الثالث الإمكانيات المالية الضخمة التي يتطلبها المشروع؟

لا يعتقد الكاتب أن واقع العالم الثالث (والوطن العربي) يمكنه من معايشة العصر. ويتطلب الحديث عن الطرق السيارة للإعلام والاتصال بدول العالم الثالث توفير الأرضية الضرورية لنشأتها وشيوعها: أرضية تحديد مفاهيم الحق في الإعلام والاتصال، الحق في التعبير الحر، الحق في تنقل الصحفيين...

منذ بداية التسعينات أصبحت هذه المصطلحات (متعدد الأقطاب، الإنترنيت، الطرق السيارة للاتصال والعولمة) تروج بكثرة ليس في الولايات المتحدة الأمريكية وفي أوروبا وفي اليابان فحسب، بل وفي دول العالم الثالث أيضا أسهمت في رواجها وسائل الإعلام والسياسة والمثقفون.

التحدي التكنولوجي ومعطى الطرق السيارة

لم يكن تجسيد الطرق السيارة للاتصال ممكنا لولا التحولات الكبرى التي لحقت تكنولوجيا الإعلام والاتصال الجديدة، خاصة تطورات الميكروألكترونيات والألكترونيات الضوئية حيث انعكس ذلك على كفاءة الحواسيب ليس فيما يخص سرعة الحساب فقط ولكن فيما يخص قوة الذاكرة وقوة التخزين كذلك.

لهذا فالطرق السيارة للاتصال لن يكون لها أن تتحقق إلا من خلال الرقمنة الكاملة لكل المعلومات (نصوص، معطيات، صوت، صورة...) إلا أنها لا يمكن أن تتجسد أو تعمم إلا وفق منطق اللاتقنين والخوصصة والتحرير.

العولمة، الطرق السيارة والمجتمع الكوكبي

إلا أن مفهوم العولمة يتضمن مجموعة من العوامل التي تجعل عددا كبيرا من السلع والخدمات تصمم وتطور وتنتج وتوزع وتستهلك وتصلح وتقيم على مستوى عالمي دون أن يكون للدول التي تدور فيها قيمة في حد ذاتها: أي أن الإطار والمرجعيات الوطنية فقدت مركزها وقوتها في المستقبل.

والعولمة هي نتاج منظمات تعولمت هياكلها بفضل استخدام تكنولوجيا الإعلام والاتصالات والمواصلات.

بالرجوع إلى المقاييس المعتمدة دوليا لتقييم مستوى تنمية البنيات التحتية للإعلام والاتصال، فإن المغرب العربي هو أقرب إلى دول العالم الثالث حيث الكثافة الهاتفية به لا تتعدى 4 بالمائة في حين تتعدى فيه هذه النسبة 40 بالمائة في أوروبا الجنوبية وفي إسرائيل (20 بالمائة في تركيا) وتقارب ال 60 بالمائة في الدول الصناعية الكبرى.

من خلال ما سبق يمكن الاستنتاج أن ما يسمى "مغرب الإعلام والاتصال" سيصبح عبارة عن فكرة إحدى مميزاتها انسلاخ الخطاب عن الممارسة والواقع، للاختلاف الكبير بين ظروف كل من المغرب وبين ظروف الدول الصناعية الكبرى.

لقد ارتبطت تكنولوجيا الإعلام والاتصال بالتنمية الاقتصادية وبالاقتصاد العالمي وأصبح الاقتصاد العالمي أكثر تداخلا وأكثر شمولية حيث أصبحت المصطلحات الرائجة هي العولمة الاقتصادية والشمولية المالية والتحرير التجاري والانفتاح السياسي. ولقد أخذ منطق العولمة في المغرب خصوصا يبدو أكبر من اختيارات التنمية للحقب السابقة وكأنه الطريق الواحد والوحيد. وهذا الأمر لا يخلو من انزلاقات فكرية.  ولبناء السياسات الاقتصادية على أساسها مخاطر آنية ومستقبلية إمكانات التملك الاقتصادي والمجتمعاتي علاوة على انتشار الأمية...

إن التكنولوجيا الجديدة سميا في ميدان الإعلام والاتصال لا يمكن أن تكون لها قيمة ومفعول داخل النظام الاقتصادي والاجتماعي إذا لم يتمثلها هذا النظام تمثلا اقتصاديا وتصبح جزءا من نظام القيم الذي يعطيها أرضيتها الثقافية وتربتها الرمزية.

لهذا لا يمكن القول إن خطاب "مجتمع الإعلام والمعرفة بالمغرب" ليس فاقدا للموضوعية فقط بل انبهاريا ومستلبا كذلك. فأين مجتمعنا من إشباع حاجات المواطن من الأجهزة والخدمات الاتصالية وإقحام ذات الأجهزة والخدمات في إطار إعادة إنتاج المجال الترابي؟ أين لهذا المجتمع من الإنتاج الثقافي الذي من شأنه أن يروج بشبكة الإنترنيت وبقنوات الطرق الإعلامية السيارة التي لا حديث إلا فيها وعنها؟

على هذا الأساس، ليس هناك جزم بوجود رهانات تكنولوجية (في ميدان الإعلام والاتصال) بالمغرب.

بين العولمة والحاكمية والمواطنة توحد في فلسفة الوسيلة ومرجعيتها، وبينها كذلك تناسق وتوافق في خلفية الغاية ومجال الفعل.

في العولمة والحاكمية

 لم يلق المصطلح الثاني من الرواج ما لقيه الأول. فالعولمة قائمة على أساس تيارات سلع ومال وخدمات ورموز. فهي لا تحتكم على سلطان ترابي ولا إلى مرجعية وطنية. أما الحاكمية فهي تهتم بممارسة التسيير العقلاني والرشيد لمنظمات ومؤسسات ونشاطات مختلفة.

في العولمة والمواطنة

 الحديث عن المواطنة يحيل على مستوى حقوقي تشريعي ومستوى دولة الحق والقانون والدولة الديموقراطية باعتبارها ترجمة لذات الحقوق والواجبات على مستوى الممارسة والواقع. فالمواطنة تعبير عن الحداثة السياسية. والعلاقة بين المواطنة والعولمة تبرز لنا ثلاث حقائق كبرى: أن العولمة تحيل على اقتصاد السوق. فهي لا ترى المواطنة إلا بربطها "حرية السوق". الحقيقة الثانية: العولمة ساهمت في جعل المواطنة على المحك من خلال تكريس نموذج شكلي من الديموقراطية ومن خلال الإقصاء الممنهج لكل البدائل الديموقراطية المتاحة الأخرى. أما الحقيقة الثالثة فتتمثل في أن العولمة بقدر ما تتطلع للشمولية بقدر ما ترفض الدول الكبرى والمنظمات الدولية مبدأ حرية التنقل العالمي للأفراد على غرار ما هو سار على مستوى تنقل تيارات السلع والخدمات والأموال.

من بين المعيقات لتحقيق الديموقراطية في المغرب الضغط الذي تمارسه التلفزة حيث لا تعبر عن الواقع ولا تسعى إلى تغييره، بل إن الفاعلين والمسيرين لبرامجها يجعلونها شبه معزولة عن التطور ويتحكمون فيها بشكل ضاغط لا يتماشى مع الرأي العام ورغباته، مما أدى إلى تغييب قضايا المغرب الحديث وتهميش المطالبين بتدارسها: بل أكثر من ذلك أدت إلى تمييع تلك القضايا وطرحها في الميدان العام بما يتوافق ومنظور رأي النخب القائمة ويتناسب وتمثلها لمصلحتها ولمستقبلها.

ومعنى ذلك أن الإشكال الديموقراطي أو الثقافي أو الاقتصادي أو الإعلامي أو غيره وإن طرح فلا يطرح في خلفية المروجين له إلا بقدر ما يقدم وفق تصور النخبة لنفس الإشكال، تصور مبنى على القبول بتمركز الثروة والسلطة الرمزية واحتكارها كرها.

هناك أمل في العهد الجديد بعد وفاة الملك الحسن الثاني رحمه الله، بأن يعاد النظر في البناء التلفزي وإعادة تفكيكه والعمل على استنبات ثقافة تلفزية جديدة يكون عمقها المرفق العام وامتدادها خدمة "شرائح الرأي العام".

(+)- طالبة بمستوى الباكلوريا حصلت على الجائزة الثالثة في مسابقة أحسن قراءة في كتاب "العولمة ومجتمع الإعلام" للكاتب يحيى اليحياوي الذي نظمته جمعية أصدقاء الكتاب ببني ملال احتفاء باليوم العالمي للكتاب بمقر الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة تادلة-أزيلال، يوم السبت 8 ماي 2004 (بحضور المؤلف).

 

 

Vous pouvez partager ce contenu