Aller au contenu principal

يحيى اليحياوي لجريدة الاتحاد الاشتراكي : "عن الاتصال ... والطرق السيارة في مجال الإعلام والاتصال...والتلفزة ذات الدقة العالية"

ضيف هذا العدد من الملحق الإعلامي هو الأستاذ يحيى اليحياوي، أستاذ باحث في مجال الإعلام والاتصال، أصدر أول كتاب له في بداية هذه السنة تحت عنوان "الاتصالات في مهب التحولات". ولقد أجرينا معه هذا الحوار الذي تركز حول الاستثمارات المخصصة من طرف الدول الكبرى في هذا الميدان، وحول الطرق السيارة في مجال الإعلام والاتصال، والتلفزة ذات الدقة  العالية وموقع دول العالم الثالث من كل هذه المتغيرات التي تجري من حولها والتي لها انعكاسات مباشرة ليس فقط على حاضرها ولكن بالأساس على مستقبلها...فكان الحوار التالي :

س: الأستاذ يحيى اليحياوي، أصدرت في بداية السنة الجارية كتابا تحت عنوان "الاتصالات في مهب التحولات: الدولة، الاحتكار، اللاتقنين والمنافسة"، لماذا هذا الكتاب؟

يحيى اليحياوي: هذا الكتاب حول الاتصالات جاء لتكريس اعتبارين ساوراني منذ مدة:

 الاعتبار الأول ذاتي محض، وهو محاولة لطرح مجموعة من الأفكار والتصورات حول القطاع كنت قد تناولتها منذ بداية التسعينات في إطار مجموعة من المقالات المتفرقة باللغة العربية والفرنسية، وحاولت من خلال هذا الكتاب أن أعمقها أكثر وأضعها داخل إشكالية ومنهج أكثر دقة.

نفس إرهاصات المقالات صغتها إذن في هذا البحث علما بأن أجزاءه قد تبدو شبه مستقلة لكنها متكاملة ومتناسقة.

الاعتبار الثاني وهو الأهم، ويأتي من الوعي بضرورة المساهمة في ملئ فراغ في جانب من جوانب البحث الاقتصادي والاجتماعي ببلادنا للتعريف بنوع من التفكير فيما يمكن أن نسميه بالاقتصاد السياسي للإعلام والاتصال تمهيدا لإدراجه كمادة مستقلة من المواد الدراسية في المعاهد والجامعات. وعموما فما أرجوه من نشر هذا الكتاب هو التمهيد للاعتراف ببروز حقل جديد لقطاع سيكون لا محالة العمود الفقري لاقتصاديات ومجتمعات القرن المقبل.

س: ولماذا إصداره في هذا الوقت بالذات؟

يحيى اليحياوي: من أجل إزاحة الخلط الكبير في المفاهيم المستعملة وكذلك لفهم تكوين وتركيبة الهياكل الصناعية والاستغلالية لقطاع الاتصالات، وكذا علاقتها بالسوق وبالمنافسة.

لقد حاولت توضيح ما يجري بالدول الصناعية فيما يخص هذا الميدان قصد الاستفادة من تجربتها لا أقل ولا أكثر في وقت أصبح للخبراء الغربيين باع كبير في هيكلة وإعادة هيكلة العديد من القطاعات لا سيما الكهرباء والاتصالات في العالم الثالث باتجاه خوصصتها وإعادة تحديد دور الدولة بها.

أقول إنه بإمكاننا الاستفادة من هذه التجارب لا أن ننقلها، ومع الأسف فما يجري بالعالم الثالث لا يعمل باتجاه الاستفادة بل باتجاه النقل وهذا أمر خطير جدا.

س: ما هي الرهانات والتحولات التي يسير في اتجاهها هذا التطور المهول الذي يعرفه قطاع الاتصالات وأساسا منذ نهاية السبعينات؟

يحيى اليحياوي: هذا السؤال بقدر ما هو مفيد وجاد بقدر ما هو عميق ومتشعب. فبالفعل قطاع الاتصالات أصبح يمثل العمود الفقري لاقتصاديات اليوم والغد والتي أصبحت توصف باقتصاديات اللامادة أو اقتصاديات المعرفة. وهذا الأمر لم يعد اليوم وهما أو ضربا من ضروب الرياضة الفكرية، بل اصبح في البلدان الصناعية بالأساس حقيقة واقعة. مثالان اثنان يوضحان هذا المعطى:

الأول: 75 بالمائة من الثروة القومية ومناصب الشغل تأتي حاليا من الخدمات عوض الزراعة والصناعة. في سنة 2000 سيجلب مجال الإعلام والاتصال حوالي 66 بالمائة من اليد العاملة بالولايات المتحدة الأمريكية مقابل 22 بالمائة للصناعات التحويلية و 2 بالمائة فقط للزراعة والصناعات الاستخراجية.

الثاني: هناك تراجع كبير للمواد الأولية في الصناعات الإعلامية والاتصالاتية. فحسب البروفيسور المهدي المنجرة، بإمكان 5 غراما من حبال الألياف البصرية أن تمرر نفس عدد المكالمات الهاتفية الذي كان يمرر عبر 33 طن من مادة النحاس مع العلم بأن الألياف البصرية ليست بمادة أولية ولكنها نتاج مختبرات. هناك إذن تحول جذري في مصادر إنتاج الخيرات ومصادر الشغل.

س: كيف جاء هذا التحول حتى أصبح الإعلام والاتصال في الغرب من أهم القطاعات الإنتاجية في الدورة الاقتصادية للدول المصنعة؟

يحيى اليحياوي: هذا التحول جاء أولا وقبل كل شيء عن طريق التطور التكنولوجي المحض. وقد ساهمت معطيات أخرى مع الزمن في تعميقه وتزكيته. ومن هذه المعطيات التحولات المؤسساتية وضغوطات الطلب وتدويل الاقتصاديات الوطنية إلى غير ذلك.

فتاريخ الاتصالات منذ اختراع التلغراف ومن بعده التلفون إلى الطرق السيارة للاتصال مرورا بالفاكس والمنتيل وبالشبكة الرقمية لتداخل الخدمات، هو تاريخ تراكمات تكنولوجية انبثقت عموما من الشبكة التليفونية واجتهدت في إطارها.

كل الاكتشافات والاختراعات تمحورت حول هذه الشبكة إما من منطلق تطويرها أو من منظور تفريغ خدمات جديدة من خلالها أو على هامشها. فالثورة الحقيقية في نظري لم تأت فقط من هذه الشبكة. الثورة الصناعية الثالثة جاءت من تداخل هذه الشبكة بشبكات المعلوماتية والسمعي- البصري، وهذا ما يجعل حاليا من أجهزة الاتصال والمعلوماتية والتلفاز أجهزة موحدة في جهاز واحد بإمكانه تخزين ونقل المكتوب والمسموع والمصور.

والسر وراء ذلك يكمن في الثورة الرقمية وتقنيات الضغط التي ميزت ميدان الإعلام والاتصال وخلقت طريقة جديدة لخزن ونقل واستعادة جميع أشكال المعرفة من مكتوبة ومسموعة وصور متحركة ومعطيات، وذلك عبر تحويلها إلى مجموعة من الرموز (تتابع 0 و 1). بصيغة أخرى فإن المعرفة أصبحت رموزا، وصار من السهل حملها وتخزينها. لقد أصبحت تنقل بسرعة الضوء.

س: هل لهذه الغاية يتم حاليا إنشاء الطرق السيارة للاتصال؟ ثم ما هو المقصود بعبارة الطرق السيارة للاتصال؟

يحيى اليحياوي: الطرق السيارة للاتصال هي نتيجة لمخاض هذا التداخل بين تكنولوجيا الاتصالات والمعلوماتية والسمعية-البصرية. وباختصار شديد فهي شبكة كاملة ومتكاملة بفضل سعتها يمكن تمرير الأفلام والمكالمات والمعطيات والصور التلفزية باتجاهين. والسعة العالية ضرورية من المرسل إلى المرسل إليه، وليست ضرورية في الاتجاه المعاكس. وهذه السعة الحالية توفرها الألياف البصرية وأقمار الاتصالات بشرط أن يوازي ذلك مواكبة تقنيات الضغط الرقمية وتقنيات التحويل الاتصالاتي وكذا تقنيات الإرسال.

لقد أصبح بالإمكان تقنيا، تخزين ونقل ما تحتاجه التلفزة عبر مجموعة من الرموز، وهذه العملية مجدية اقتصاديا ناهيك عن الدقة والصفاء التي تمكنها هذه التقنيات. إن تكنولوجيا الإعلام والاتصال تتطور بسرعة تفوق قدرتنا على استيعابها والوصول إلى المعرفة أصبح عموما سهلا، وما نراه أمام أعيننا ما هو برأيي إلا جزء مما يهيأ للقرن الحادي والعشرين والذي يقدم من دون شك بأنه قرن المعرفة والعلم.

س: ولكن ولوج هذا العالم يتطلب إمكانيات قد تبدو لنا لا حدود لها وقد يستدعي استثمارات تفوق كل التصورات؟

يحيى اليحياوي: قبل أن أجيب على هذا السؤال أقدم بعض الإحصاءات حول الاستثمارات المخصصة لهذا المجال أي شبكة الطرق السيارة. أود أن أشير إلى أن هذا المشروع الاتصالاتي والإعلامي يتزعمه بالولايات المتحدة الأمريكية "البرت غور" نائب الرئيس الأمريكي بيل كلينتون. وللتذكير فإن أب آل غور هو أب ومهندس الطرق السيارة بالولايات المتحدة، وقد جاء ابنه بمشروع مماثل ولكن في مجال الإعلام والاتصال، وقدم هذا المشروع في خضم الانتخابات الرئاسية لسنة 1992 وأكده المعني بالأمر( أي آل غور) سنة 1994. وقد تبنت الإدارة الفيدرالية المشروع بتخصيصها لعشرة مليار دولار لربط المواطنين بهذه الشبكة...إلى جانب ما ستخصصه المؤسسات الاتصالية من ميزانيات ضخمة لهذا الغرض.

ويقدر الخبراء أن الحكومة الفيدرالية ستستثمر حوالي 1،2 مليار دولار سنويا خلال عقد التسعينات في مشروع سيكلف من 100 إلى 300 مليار دولار، وذلك حسب مستوى التعميم المطلوب. وشركات الاتصالات الجهوية تعتزم تخصيص 25 إلى 50 مليار لتشكيل طرقها السيارة. وعموما فالقطاع الخاص بكل تشكيلاته سيستثمر حوالي 50 مليار دولار سنويا لتطوير مثل هذه الشبكات.

وفي فرنسا، يقدر "جيرار تيري" وهو صاحب تقرير "الطرق الاتصالاتية السيارة" وأب المنتيل، أن هذا المشروع يستوجب بالنسبة لفرنسا استثمارا ضخما بقيمة 150 إلى 200 مليار فرنك فرنسي لمدة عشرين سنة، بالإضافة إلى ملايير الفرنكات اللازمة لربط عقد اندماجية مع المؤسسات الأجنبية خاصة منها الأمريكية والتي تبحث عن مناطق للربح.

س: إذن هناك رهان اقتصادي وراء الاستثمار في هذا المجال؟

يحيى اليحياوي: هناك رهانات متعددة من بينها الاقتصادي والجيوستراتيجي والثقافي وغيرها.

فعلى المستوى الاقتصادي، سوق الاتصالات بما يضم من الأجهزة والشبكات والخدمات يقدر بحوالي 520 مليار دولار، وسوق المعلوميات ب 750 مليار دولار، وسوق السمعي-البصري ب 340 مليار دولار.

وهذه الميادين الثلاثة على الرغم من ترابطها وتداخلها (وهذا الترابط والتداخل إنما هو في بداياته الأولى) لكل فيما يخصها نسب تنمية سنوية عالية. فبالنسبة للاتصالات 6 بالمائة، بالنسبة للمعلوماتية 11 بالمائة، بالنسبة للسمعي-البصري 11 بالمائة كذلك. وهي نسب تفوق بكثير نسب نمو الناتج الوطني القومي في الدول الصناعية.

وإذا استثنينا الميزانيات المخصصة لتحقيق شبكة الطرق السيارة والتي تقدر بملايير الدولارات، فإن الملاحظ أن الخدمات هي التي تحتكر النسب العالية من النمو بالمقارنة مع الأجهزة والشبكات. وهذا الرهان الاقتصادي لا يهم العلاقات فيما بين الدول وحسب، بل ينطبق على الشركات فيما بينها من نوع مطالبة شركات الاتصالات لاقتحام السمعي- البصري وكذا شركات السمعي- البصري بدخول قطاع الاتصالات.

وبخصوص الرهان الجيوستراتيجي، فسوق تكنولوجيا الإعلام والاتصال سوق ضخم، والتحكم فيه يعطي للمسيطر عليه امتيازا استراتيجيا ضخما ويمكنه من فرض منطقه ومنطق مؤسساته. وهذا الرهان أساسي ويفسر جزئيا الصراع بين الولايات المتحدة واليابان وأوروبا حول إشكالية التلفزة العالية الدقة، واجتهاد العمالقة الثلاثة من أجل وضع أسس اقتصاد ومجتمع الإعلام والاتصال للقرن الحادي والعشرين.

أما الرهان الثالث والمتعلق بالمجال الثقافي فهو يفسر بموقف أوروبا الموحدة ولا سيما موقف فرنسا خلال مفاوضات "الغات" وما تبعه من نقاشات حول مسألة الاستثناء الثقافي والذي ترفض أوروبا بموجبه ما تسميه بالغزو السمعي-البصري الأمريكي.

س: ومن الجهات التي تقف وراء هذه التحولات والثورة التكنولوجية التي يعرفها هذا الميدان؟

يحيى اليحياوي: هناك ثلاثة أقطاب اقتصادية وتكنولوجية كبرى تسيطر على أكثر من 90 بالمائة من تكنولوجيا الإعلام والاتصال بحثا علميا وإنتاجا...سأقف هنا بالخصوص عند تكنولوجيا الاتصالات. فوفقا لمعطيات سنة 1991 وعلى مستوى خدمات الاتصالات، لأمريكا وحدها نصيب الأسد أي حوالي 42 بالمائة من السوق الدولي مقابل 14 بالمائة لليابان و 32 بالمائة لأوروبا الغربية وما تبقى يعود لبعض الدول الصاعدة.

وعلى مستوى تجهيزات الاتصالات نلاحظ تقريبا نفس النسب: 40 بالمائة للولايات المتحدة، 21 بالمائة بالنسبة لليابان و 33 بالمائة لأوروبا الموحدة. هذه الهيمنة للأقطاب المذكورة توجد كذلك بقطاع المعلوماتية والسمعي-البصري.

فقطاع تكنولوجيا الاتصالات إذن متمركز في هذه الأقطاب الثلاثة ومتمركز داخل كل قطب حول عدد جد محدود من الشركات الكبرى المنتجة للتجهيزات أو المستغلة للشبكات. هذه الشركات تخصص مستويات عليا من مدا خيلها للبحث والتطوير (حوالي 4 إلى 5 بالمائة) وتستخدم في مراكز أبحاثها علماء مختصين كبار. وهكذا يوجد حوالي 2800 باحث بمراكز أ.ت.ت ومن بينهم 7 حائزون على جوائز نوبل.

س: وماذا عن دول العالم الثالث...؟ أين هي مما يحدث في هذا الميدان من تحولات؟

يحيى اليحياوي: قطاع الاتصالات في معظم دول العالم الثالث قطاع متخلف باعتبار كل المقاييس المتاحة لمعرفة ذلك. ولفهم هذا الواقع يتعين الرجوع إلى الظروف التاريخية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وكذا مكانة هذا القطاع داخل السياسات الاقتصادية المتبعة من طرف معظم دول العالم الثالث إبان وبعد مرحلة الاستقلالات السياسية.

في اعتقادي هناك أربعة أسباب رئيسية ساهمت في تخلف هذا القطاع يأتي على رأسها ثقل المرحلة الاستعمارية. وهي مرحلة كيفت هذا القطاع لخدمة مصالحها الأمنية والاقتصادية ولم تقحمها في النسيج الاقتصادي والاجتماعي لهذه الدول.

ثم هناك مرحلة ما يسمى بالتزامات وأولويات "الدولة المستقلة" والتي اعتبرت هذا القطاع قطاعا كماليا لا أهمية للاستثمار فيه باعتبار أولويات تأسيس هياكل الدولة المستقلة لإطعام المواطنين وتنمية النسيج الاقتصادي من صحة وتربية ودفاع وما إلى ذلك.

ثالثا جاء فيما بعد ما سمي بظروف وشروط نقل تكنولوجيا الاتصالات وهي لم تعمق من تخلف القطاع فحسب بل عمقت تبعيته لمؤسسات إنتاجية أجنبية عملت على نقل تقنيات وليس إلى نقل المعرفة المرتبطة بها. والنتيجة أن دول العالم الثالث بقيت تابعة لمؤسسات متعددة الجنسيات لا في شراء الأجهزة والمعدات والبرامج فقط، بل وأيضا في صيانتها.

وهناك رابعا وأخيرا ما جاءت به برامج التقويمات الهيكلية والتي أدت إلى إهمال الدولة للقطاع، باعتبار أولويات تسديد الديون على الاستثمار. فهناك إذن ظروف اقتصادية واختيارات سياسية حالت دون تنمية القطاع وولادة صناعة اتصالاتية بالمفهوم العصري للكلمة بدول العالم الثالث.

س: وهل يجوز اعتبار أن الوقت قد فاتنا وأن كل محاولة للحاق بالدول المتقدمة في هذا الميدان محكوم عليها بالفشل مسبقا؟

يحيى اليحياوي: الثورة التي يعيشها العالم حاليا أو ما يسمى بالثورة الصناعية أو التكنولوجية الثالثة أحدثت تحولات هائلة ورهيبة في مجالات إنتاج المعلومات، نشرها وتخزينها واسترجاعها وتحليلها.

وهذه الثورة لا تشمل فقط تكنولوجيا الإعلام والاتصال ولكنها تتعداها إلى مجالات أخرى كالفضاء والهندسة الوراثية وغيرها.

وبفضل تكنولوجيا الإعلام والاتصال أصبح العالم أشبه بقرية صغيرة وتغير الزمان والمكان بالإنسان. وهذه التكنولوجيا تحكم فيها كما سبق ذكره أقطاب الاقتصاد العالمي الثلاثة. أنا لا أنكر القوة النسبية لبعض دول أمريكا اللاتينية أو الأسيوية لكن المعطيات الإحصائية المتوفرة قاطعة، وحصيلتها تدل على أن دول العالم الثالث إنما هي دول تستهلك تكنولوجيا الإعلام والاتصال ولا تنتجها.

 فنحن مستهلكون غير منتجين. ولكم كان عجبي عميقا لما علمت أن بعض مسئولي دول العالم الثالث يتكلمون عن طرق الاتصال السيارة وعن مجتمع الإعلام والاتصال في هذه الدول وكأننا طرف فاعل في أعمال "مجموعة السبعة" التي ناقشت هذا المشروع ببروكسيل أواخر فبراير الماضي.

ومع ذلك لا أظن أن الركب قد فات. أنا متفائل إلا أن المهمة صعبة ومعقدة وتستوجب أول ما تستوجبه تحديد استراتيجية علمية وتكنولوجية يشارك في بلورتها خبراء ومختصون محليون مع التركيز على وضع الإمكانات الضرورية للدفع بالبحث العلمي وتنصيب الرجل المناسب في المكان الذي يلائمه. فأنا مؤمن ومتيقن أن لدينا كفاءات متعددة وعالية، ما ينقصها هو الإطار الصحيح والإمكانات اللازمة. وأؤكد أنه لا مستقبل بدون علم وبدون بحث علمي...

س: دول العالم الثالث تشتكي من كونها ستكون مهددة في هويتها الثقافية والحضارية في المستقبل، وتتهم الدول المتقدمة بأنها تشن عليها حربا حضارية عبر وسائلها الإعلامية. هل توافق أنت أيضا على هذا القول؟

يحيى اليحياوي: سأحاول أن أجيبك على تساؤلك هذا من خلال بعض الملاحظات التي أعتبرها أساسية في الموضوع. فحسب معطيات اليونسكو هناك تمركز كبير للدخل الإجمالي لقطاع الإعلام والاتصال بين الدول الصناعية الكبرى ولا سيما الولايات المتحدة. في مجموع عالمي يقدر ب 1185 مليار دولار تستحوذ الولايات المتحدة على 515 مقابل 253 لليابان و 267 لأوروبا.

ومن مجموع دولي لسوق قواعد المعطيات  المستنطقة عن بعد يقدر ب 4600 مليون دولار تستحوذ الولايات المتحدة على حوالي 3200 مقابل 1000 لليابان و 350 لكل من فرنسا وألمانيا وبريطانيا مجتمعة. هناك إذن اختلال ليس فقط بين الدول الصناعية ودول العالم الثالث ولكن بين الدول الصناعية نفسها. وينتج عن هذا اختلال أخطر في تدفق المعلومات بين الدول الصناعية الكبرى ودول العالم الثالث.

وتشير بعض التقارير أن 90 بالمائة من مجموع شبكات المعلومات توجد ببلدان لا يتجاوز عدد سكانها 25 بالمائة من سكان العالم وأن 80 بالمائة من المعلومات حول العالم توجد بالولايات المتحدة التي تصدر لوحدها 75 بالمائة من المعلومات المقدمة عبر الحاسبات الإلكترونية وأن 90 بالمائة من مجموع ذبذبات الإرسال الإذاعية تحتكرها دول لا يتعدى عدد سكانها عشر سكان العالم، في حين لا تمتلك دول العالم الثالث إلا 10 بالمائة على أقصى تقدير من مجموع الحاسبات الإلكترونية المتوفرة في العالم، ولا تمتلك أكثر من 5 بالمائة من أجهزة الإرسال التلفزي و 12 بالمائة من أجهزة الاستقبال.

س: هل يعني هذا أن السيطرة على العالم الثالث هي للإعلام الأمريكي في المقام الأول؟ بصيغة أخرى هل دور أوروبا منعدم في هذا المجال؟

يحيى اليحياوي: نعم ولا. فالولايات المتحدة تسيطر على معظم دول العالم في قطاع الإعلام والاتصال، وغزت بأجهزتها وصورها كل دول العالم بدون استثناء. ولكن دول العالم الثالث وإن كانت هي الأخرى مسرحا لهذه السيطرة، فإنها مسرحا لسيطرة دول صناعية أخرى كل على حسب منطقة نفوذه: فرنسا وفضاءها الفرنكفوني، اليابان وفضاءها الآسيوي ونسبيا شبه الجزيرة الإيبيرية وفضاءها اللاتيني والأمريكي. فعلى الرغم إذن من سيطرة كل دولة على فضائها، فإن الفلسفة واحدة والأهداف واحدة، بالتالي فما يسمى بالاختراق أو بالتهديد الثقافي يمس كل دولة من دول العالم الثالث وفق ارتباطها بالدولة-المركز.

وكما نعلم فوسائل الإعلام والاتصال الموجودة حاليا هي من دون شك وسائل حرب أو غزو جبارة. فهي لا تعترف بالحدود الجغرافية ولا بالجيوش النظامية و لا بالجمارك. فالصور والمعلومات والمعطيات تخترق الحدود والمسافات لتتربع في المنازل، ونحن لا نملك لا المؤسسات ولا الوسائل ولا التنظيمات الفعالة ولا هي قادرة تقنيا على غربلة وفرز البرامج والمعلومات التي تبث لنا من الخارج. ويزداد هذا الأمر تعقيدا عند قيام الدول الكبرى ببث مباشر دون اللجوء في ذلك إلى المحطات الأرضية.

س: وكيف ننظر إلى الموقف الذي اتخذته بعض الدول عندما سنت قوانين زجرية للحد من تأثير الصور الوافدة من الخارج بدعوى مواجهة الغزو الحضاري؟

يحيى اليحياوي: أنا لا أعتقد بوجود غزو فكري وحضاري من أجل الغزو، ففي اعتقادي إن عملية الغزو الفكري والثقافي  والحضاري ما هي إلا تمهيدا لخلق الظروف النفسية والسوسيولوجية لتكريس نمط استهلاك محدد وإعداد الفرد العالمثالثي لتقبل تقنيات وبرامج آتية من الدول الصناعية.

وفيما يخص سن قوانين زجرية لمواجهة الإعلام الغربي، فأنا شخصيا لا أومن بثقافة أو حضارة تحميها النصوص والقرارات الإدارية مما يسمى بالغزو الخارجي. فهي على هذا الأساس ثقافة هشة يمكن لأي ريح أن تلعب بها.

وأظن أنه لا خير في ثقافة لا تحوي في عمقها شروط النجاعة والمناعة والتصدي. هذا من حيث المبدأ. من حيث الوسيلة أظن أن كل ثقافة هي في حاجة إلى تقوية وتجديد و "حماية من الداخل". وأرى ذلك في تعميق روح المسؤولية والتأكيد على دور الأسرة والمدرسة والجامعة وتطوير روح النقد والانتقاد ومحاربة الأمية والجهل.

فمواجهة ما يسمى بالغزو يأتي في نظري من ضرورة الوعي بالتحدي والاستعداد لرفعه. ومع الأسف فواقع العالم الثالث إزاء هذه الوضعية يدعو للقلق. فلا هو في موقف الهجوم ولا له وسائل الدفاع.

س: لتجاوز هذا الوضع هناك من بدأ يدعو إلى " يالطا" خاصة بالإعلام والاتصال؟

يحيى اليحياوي: إذا كان بعض مفكري دول العالم الثالث في مجال الإعلام والاتصال هم الذين يدعون إلى "يالطا" جديدة خاصة بهذا الميدان، فهذا يذكرني شخصيا بالدعوة التي وجهتها دول العالم الثالث في السبعينات والمتعلقة بإنشاء نظام عالمي جديد للإعلام والتي جاءت غداة مناقشة ما أطلق عليه في السبعينات ب "النظام الاقتصادي العالمي الجديد".

وقد جاءت المطالبة من قبل دول عدم الانحياز بهذين النظامين أملا في تنظيم العلاقات الدولية وبنائها على أسس جديدة تكفل لدول العالم الثالث حقها في التنمية والتقدم والتعريف بفكرها وثقافتها...

أطروحات كلا النظامين رفضت ولم يكن لها إلا أن ترفض بحكم عدم توازن القوى بين الطرفين. وجاء انسحاب الولايات المتحدة وبريطانيا من اليونسكو ليكرس أكثر خطاب هذا النظام الذي لم يعد له أثر في الأدبيات منذ ذلك الوقت.

أنا لا أؤمن بإمكانية قيام مثل هذا النظام سيما على ضوء ما تقدم من معطيات إحصائية تدل قطعا على احتكار الدول الصناعية الكبرى لتكنولوجيا الإعلام والاتصال تجهيزات وبرامج، وباعتبار أن سوق هذه التكنولوجيا لم يستقر بعد.

وفي حالة عقد مؤتمر " يالطا" حول الإعلام والاتصال فإن الدول الكبرى ستحضره وستتفق على توزيع الأدوار فيما بينها. فلن يكون لدول العالم الثالث إلا دور المستهلك لا أقل ولا أكثر، اللهم إلا إذا وعت الرهانات وعقدت العزم على المشاركة في اقتصاد القرن المقبل الذي هو اقتصاد المعرفة والعلم لا محالة.

حاوره عبد السلام البنعيسي، جريدة الاتحاد الاشتراكي، يومية، فاتح ماي 1995

Vous pouvez partager ce contenu