Aller au contenu principal

"في إشكالية حرية التعبير بشبكات الاتصال الجديدة"

news-details

 ليس ثمة من شك أن حرية التعبير إنما هي عنصر أساس لكل ديموقراطية، وأن التشريعات واللوائح والقوانين غالبا ما تحدد بالقياس إلى هذا المبدأ. بصلب كل ذلك، يمثل مبدأ الوصول للمعلومة والحق في الحصول عليها، وتقاسمها، والإفادة منها، مبدأ مركزيا لتكريس قيم المواطنة والحرية، وتجسيد الحقوق المدنية والسياسية.

إذا سلم المرء بتوافر هذه المبادئ، لتأطير فضاء اشتغال المنابر الإعلامية التقليدية، فإنه سيسلم بالآن ذاته، بأنها باتت تجد لها من مدة فضاء إضافيا جديدا، من بين ظهراني شبكات التواصل الاجتماعي. ولعل أهم ما حملته هذه الشبكات بالنسبة للحرية الإعلامية، إنما إعادتها لصياغة عناصر الإشكالية المطروحة، على ضوء واقع الانتقال من محيط ندرة المعلومات، إلى محيط وفرة عرضها بمنسوب غير مسبوق.

فعلى العكس من طباعة جريدة، أو إقامة محطة إذاعية أو تلفزية، حيث التكاليف مرتفعة، والإكراهات التقنية والقانونية صارمة، فإن تصميم موقع إخباري على الشبكة، أو فتح حساب على موقع من مواقع التواصل الاجتماعي، لا يتطلب الشيء الكثير، اللهم إلا التوفر على حاسوب مرتبط بالشبكة، وعلى البرمجيات المناسبة لتشغيل ذلك.

لم تعد إشكالية النفاذ أو الولوج لبنوك المعطيات أمرا مستعصيا، مادامت هذه المعلومات متوفرة "على الخط" وبغزارة، بقدر ما تحولت الإشكالية إياها إلى إشكالية قيمة هذه المعلومات، ومدى دقتها. بالتالي، فإن جانب الصعوبة في هذا الجانب إنما يكمن في كيفية الحصول على المعلومة، والتأكد من صحتها، ومقارنتها، والاطمئنان إلى مصادرها، في محيط باتت المصادر وطرق إنتاج المعلومات غير معروفة ولا موثقة.

فعلى النقيض من وسائل الإعلام التقليدية، التي بنت نشاطها وجزءا كبيرا من مجدها، على قواعد "أخلاقية" صارمة، فإنه بات بمقدور المرء، زمن الإعلام الجديد وشبكات التواصل، تصميم موقع أو صفحة، يضع بها من المعطيات والمعلومات ما يشاء، حتى وإن كانت خاطئة، أو مجرد إشاعات، أو أنصاف حقائق، دونما أن تكون هناك "مصفاة" لتنقية ذلك، أو ممارسة الرقابة عليه، فما بالك منعه، أو الحيلولة دون انتشاره على نطاق واسع.

هذا الرهان بات رهانا ضخما، في ظل انفجار المضامين التي يقدمها المستعملون، بما فيها مواقع الإعلام بالشبكة. بيد أن ثمة سؤالا لا بد من طرحه: "ما السبيل لمعرفة أن معلومة ما، بمدونة ما، حول هذه الشخصية أو تلك، دونما ذكر المصدر، ما السبيل لمعرفة كيف جمعت ورتبت؟ كيف السبيل للتأكد من أن فيديو ما، على موقع دايلي موشيون، لم يكن مكمن تركيب، من شأنه تحريف أقوال الشخصيات التي تظهر فيه؟ كيف التيقن من أن عناصر مقال بويكيبيديا هي عناصر دقيقة؟ كيف السبيل للتحقق من أن الصور التي تظهر على فليكير أو واط أو سكايبلوغ، لم يتم اختلاقها؟"...الخ.

بالتالي، فإن المبحر بشبكات الإعلام والاتصال الجديدة، إنما هو بإزاء أحجام ضخمة من النصوص، والصور الثابتة والحية، دونما أن يكون مصدرها مثبتا، أو صدقيتها موثقة. ليس ثمة في ميدان الإعلام، ربع أو نصف حقيقة. إن ثمة معطيات مؤكدة وأخرى خاطئة.

وعلى هذا الأساس، فإن الرهان الحقيقي القائم، بظل طفرة هذه الشبكات، إنما يكمن في طرق وآليات التعامل مع هذه الأخيرة، ليس فقط من باب محورية الإعلام بكل سياق ديموقراطي، ولكن أيضا لأن شبكة كشبكة الإنترنيت، معولمة الطبيعة والطبع، قد تثوي خلف "إفقار نوعية المعلومات التي يحتاجها النقاش ديموقراطي، وكذا الحق في الإعلام والاتصال الذي شارف، بأكثر من بلد، على أن يكون حقا من حقوق الإنسان الأساس.

جريدة الاتحاد، 12 شتنبر 2016

Vous pouvez partager ce contenu