Aller au contenu principal

اليحياوي: "الفضائيات المغربية لا يشاهدها إلا بعض مغاربة المهجر"

اليحياوي: "الفضائيات المغربية لا يشاهدها إلا بعض مغاربة المهجر"

الخبير في مجال الإعلام قال 'للمساء': "الشعور بالإهانة وانعدام الحرية أهم أسباب هجرة الكفاءات الصحفية

قال الباحث والخبير المغربي في مجال الإعلام والاتصال يحيى اليحياوي، إن الرداءة باتت قيمة مثلى في سلوك الأداء التلفزي بالمغرب بقناتيه، بل الموجه الأسمى له، و، الثورة التكنولوجية أو اشتداد المنافسة لم تفعل فيه بحكم تكلسه وكونه عصيا على التحول.

المساء: هل يمكن القول بأن المشاهد المغربي يتعرض لغزو إعلامي؟ وإن كان الأمر كذلك، فما هي سلبياته وإيجابياته؟.

يحيى اليحياوي: أولا، يجب أن نعترف بأنه ليس ثمة غزوا من أجل الغزو، أو استهدافا من أجل الاستهداف، أو اختراقا من أجل الاختراق.  هذا أمر بالإمكان التثبت منه ليس فقط بالإعلام أو بالاقتصاد أو بالسياسة، بل وحتى بالبعثات التبشيرية التي كانت تستهدف نشر المسيحية أو الديانات الأخرى.

لو سلمنا بأن الغزو الإعلامي قائم، وهي فرضية يجب التأكد منها، فإن الإعلام هو أداته وليس غايته. بمعنى أن الإعلام يوظف بغرض إدراك غايات مختلفة، من قبيل تأجيج النعرة الاستهلاكية لفتح الأسواق، أو الفعل في نماذج الاستهلاك من أجل زرع سلع وخدمات "الغازي"، أو لفائدة تطويع السلوك للإقبال على هذا المنتوج أو ذاك، هذه السلعة أو الخدمة أو تلك، سيما بالنسبة للبرامج الموجهة للشباب مثلا أو للأطفال.

قد تبدو هذه السياسات (الإشهارية أو الترويجية أو ما سواها) حمالة للغزو، غزو المنظومات القيمية المستهدفة، لكنها تبدو طبيعية بحكم ملازمتها للنموذج الرأسمالي القائم، الذي يتخذ من الاقتصاد والمجتمع والثقافة فضاء للتجارة والمتاجرة ليس إلا، ولا يعير بالتالي من اعتبار يذكر لما قد يكون منظومة قيم، أو خصوصية أو هوية أو ما سوى ذلك.

من هذا المنطلق، يقدم البث الفضائي مثلا كما لو أنه فتحا لآفاق في المعلومات والمعرفة والتواصل غير مسبوقة. وهذا أمر صحيح إلى حد ما، في عصر الصورة وتكاثر السواتل، وسهولة انسياب الأخبار بحكم تعدد الأقنية، وعدم تعذر الحصول عليها. ودليلهم في ذلك، القول مثلا بأنه لولا قناة الجزيرة مثلا أو بعض القنوات الخليجية الأخرى، لما استطاع المرء متابعة ما جرى ويجري بالعراق أو بأفغانستان وبفلسطين وبالصومال وبغيرهم.

وهذا أمر بالإمكان تعميمه على معظم المشاهدين العرب الذين كانوا محاصرين بإعلامهم القطري الضيق، وبات بإمكانهم منذ مدة الاطلاع على ما يجري من حولهم. وهذا في حد ذاته مكسب حقيقي مكنته ثورة تكنولوجيا المعلومات والإعلام والاتصال.

لو كان ثمة من فضل لهذه الطفرة الإعلامية على المشاهد المغربي، لكان فضل إخراجه من قهر إيديولوجية "العام زين"، الذي بات ولا يزال لازمة السمعي والمرئي بالمغرب. ومكنته على الأقل، من التخلص من رتابة وطغيان هذه الإيديولوجيا.  

 المساء: كيف ترى حرب الفضائيات العربية الجارية الآن حول المشاهد المغربي؟

يحيى اليحياوي: من المبالغ حقا القول بأن ثمة حربا بالمعنى الخشن للكلمة. من ناحية ثانية، فالجمهور المغربي ليس كتلة موحدة أو معطى متماسكا، هو جماهير لكل منها تطلعاته ورغباته وتفضيلاته.

القنوات العربية تقتني كغيرها سواتل، وتمرر ما يتوفر لديها من برامج ومواد وغيرها. بالتالي، فأنا أزعم أنها ليست فضائيات موجهة لهذا الجمهور أو ذاك، تستهدف تطويعه أو فرض منظومة قيم جديدة عليه، كما هو الحال مع العديد من الفضائيات الغربية، والأمريكية بوجه التحديد.

صحيح أن هذه الفضائيات تستقطب جمهورا واسعا، يعطيها شعبية لدى المعلنين أو لدى قوى المصالح، لكن استقطابها للمغاربة مثلا متأت ليس من قوتها، بقدر ما هو متأت من ضعف إعلامنا، وعدم قدرته أو قابليته على إشباع رغباتنا وتطلعاتنا في إعلام هادف، تثقيفي وإخباري وترفيهي.

المساء: برأيكم هل يحمل شعار "القنوات المغربية ورفع تحدي المنافسة" مصداقية معينة؟

يحيى اليحياوي: من أكثر من عشر سنوات أصدرت كتابا بعنوان "محنة التلفزة بالمغرب". وأصدرت بعده مقالا مقتضبا (متوفر بموقعي على الإنترنيت) أسميته "في الرداءة كقيمة تلفزيونية"، أوضحت فيه كيف أن الرداءة باتت قيمة مثلى في سلوك الأداء التلفزي بالمغرب بقناتيه، بل الموجه الأسمى له، وأن الثورة التكنولوجية أو اشتداد التنافسية من حوله، لم تفعل فيه بحكم تكلسه وعصيه على التحول.

أزعم أن هذا التحليل لا يزال ذو مصداقية كبيرة، على الرغم من "الإصلاحات" التي يتحدثون عنها، من قبيل الشركة الوطنية أو القطب العمومي أو الأجرام الماسخة التي أسموها "الفضائيات المغربية"، من قبيل المغربية أو الرياضية أو ما شاكل، والتي لربما لا يشاهدها إلا بعض المغتربين المغاربة من الجيل الأول.

المساء: ما هو تصوركم الشخصي للإصلاح إذن؟

يحيى اليحياوي: تصوري الخاص للإصلاح بسيط وعملي: إنشاء محطتين تلفزيتين، الأولى إخبارية/ثقافية وللنقاش السياسي الجاد، والثانية فنية متخصصة في السينما والمسرح وغيرهما، ويقوم على المحطتين أناس مهنيون، أصحاب مشروع تلفزي حقيقي. بالتالي، فلو تم لنا ذلك، فإنه سيعفينا من كل الرداءة القائمة، وسيكون مدخلا أوليا للتنافسية التي تحدثت عنها بسؤالك، وسيقصر علينا سبل التقييم بغرض التقويم.

المساء: طيب، هناك إشكال كبير تعاني منه التلفزة المغربية، وهو هجرة الكفاءات المغربية نحو القنوات الخليجية. بماذا تفسرون ذلك؟

يحيى اليحياوي: هجرة الكفاءات لا تطاول الإعلاميين فحسب، بل تكاد تطاول كل الحقول، من طب وهندسة وبيولوجيا ومعلوماتية واتصالات وما سواها. الأسباب العامة في ذلك بديهية ومعروفة إلى حد بعيد، لعل أقواها على الإطلاق غياب مناخ الحرية، والإهانة التي تتعرض لها الكفاءات في حياتها المهنية والمعيشية المباشرة. وأيضا غياب المشاريع التي تؤطرها وتحفزها على التحصيل المستمر والتعلم المتتالي.

نفس الأسباب تجدها عند الصحفي، حيث انعدام الحرية وكثرة الخطوط الحمر، وعدم الاعتراف بالمجهود وعدم تقدير المبادرة...كلها دوافع تجعل الصحفي الجاد غير قادر على العمل مثلا من بين ظهراني الإعلام المسموع والمرئي بالمغرب.

المساء: إذا كان الأمر كذلك عندنا، فما الذي تمنحه القنوات الخليجية للصحفي المغربي؟

يحيى اليحياوي: القنوات الأجنبية وضمنها قنوات الخليج، تعطي الصحفي المهاجر قيمته الاعتبارية ماديا وعلى مستوى تدريبه وتكوينه المستمر، وتفتح له سبلا جديدة للاطلاع ومراكمة التجربة. وهذا ما يفتقده ببلده حيث الإهانة المضمرة والبائنة، ودفع الصحفي للاشتغال في ظروف من الغبن وضعف الإمكانات. وهذا أمر يثير الحزن والحسرة.

 المساء: هناك ظاهرة جديدة بدأنا نلمسها بالمغرب، وهي تسابق القنوات الناطقة بالعربية حول إحداث مكاتب لها بالرباط. برأيكم ما الدافع لذلك؟

يحيى اليحياوي: أزعم أنه ليس هناك تسابقا بهذه الاتجاه، بقدر ما هناك توجها من لدن العديد من القنوات العربية الإخبارية تحديدا، للاقتراب من مصدر المعلومات والاشتغال وفق منطق القرب، الذي أضحى عنصر تنافسية لا يستهان به. من هنا، ففتح مكاتب بعين المكان يعطي صحفيي قناة ما، إمكانية الاطلاع عن قرب على مجريات الأحداث، ويسهم في توسيع الإناء الجماهيري الذي تتطلع إليه كل قناة جادة.

 المساء: من موقعكم كباحث وخبير في المجال الإعلامي، من يمول القنوات العربية الأكثر متابعة؟ وأي رسالة تحمل؟

يحيى اليحياوي: هذا الجانب هو الذي غالبا ما لا يستطيع الباحث الوقوف عنده بدقة، بحكم أن الإعلام عموما، والإعلام الفضائي بوجه التحديد، بات ملتقى لمصالح المال والسياسة والشهرة في الآن معا.

لكن المؤكد أن ثمة قنوات تمولها دولها مباشرة (وتترك لها حرية التصرف فيما تستحصله من مداخيل إشهارية) كقناة الجزيرة مثلا، على أن المقابل هو تلميع صورة هذا البلد أو ذاك. وقد لاحظنا كيف أن دولة قطر أضحت بخريطة العالم، بعدما ظلت ولسنين طويلة غير مرئية بالخريطة إياها.

وهناك قنوات يمولها القطاع "الخاص" الخليجي، وهو مكون في غالبه من أمراء وأصحاب مشاريع ضخمة تتطلع إما للربح السريع، أو لمجرد الشهرة والإبهار. ولك أن تلاحظ طبيعة "برامج" المئات من الفضائيات، التي يتعذر على المرء معرفة الهدف منها، ولا الرسالة الثاوية خلفها.

وهناك أخريات تمولها أحزاب وتنظيمات سياسية كما الحال بلبنان مثلا، أو تثوي خلفها تشكيلات مذهبية أو طائفية كما الحال بالعراق المحتل.

بكل الحالات، فما دام التمويل هو المتحكم في العملية، فإن الخط التحريري يغدو متعذر إن أردنا الإمساك به.

جريدة المساء، 28-29 أبريل 2007 (أجرى الاستجواب محمد سليكي)

 

 

Vous pouvez partager ce contenu