عبد القادر دندن، مركز الجزيرة للدراسات، الدوحة، 2023، 192 ص.
امتاز هيكل النظام الدولي دائما بالتغير وعدم الاستقرار، لكن العديد من البلدان لم ترض بسلم تراتبية القوى، "خاصة من قبل الفاعلين غير الراضين عن الوضع الهيكلي لتوزيع القوة على المستوى الدولي. لذلك تبرز مظاهر الاحتجاج وعدم الرضا من طرف كل القوى في البداية، ثم تنتقل تلك المظاهر إلى مستوى آخر، وهو مستوى التحرك للتأثير في التوازنات العالمية، وخلق وضع إستراتيجي جديد لخريطة القوى العالمية".
ويلاحظ الكاتب أن النظام أحادي القطبية هو أكثر مظاهر توزيع القوى الذي لقي رفضا وعدم تقبل تاريخي، فكانت المطالب دائما تنحو بجهة محاولة الخروج من دائرة الهيمنة الأحادية، نحو نظام أقل حدة من حيث تمركز القوة، سواء من خلال نموذج ثنائي لتوزيع القوة أو نموذج تعددي.
ويلاحظ أيضا أن استفراد الولايات المتحدة بالنظام الدولي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، لم يكن محل قبول وإجماع عالميين، و"لم تكد تمر سوى عشرية واحدة على التبشير الأميركي بنظام عالمي جديد، حتى بدأت مجموعة من القوى في إبداء تحفظها تجاه الهيمنة الأميركية، بل وبادرت إلى خلق هياكل جديدة وطرح مبادرات لتحدي الوضع القائم".
وقد أتت التحفظات الأكبر من بلدان الشرق الآسيوي، التي حققت طفرات اقتصادية وتكنولوجية كبيرة، وبات لها وزن في تحالفاتها مع العديد من بلدان الجنوب الأخرى.
إن الدول التي تجر خلفها حضارات كبرى، مثل الصين والهند وروسيا، لم تنصع لمنطق النظام الأحادي، فتمردت عليه وإن من خلف ستار. القوة هنا هي مفتاح هذا التمرد. القوة باتت عنصرا حاسما في العلاقات الدولية، إذ على الرغم "من التباين في التصورات حول ماهية القوة، إلا أنها مكون رئيس في الحياة البشرية ومسار الكيانات السياسية، وعنصر جوهري في سنة التدافع والصعود والهبوط التي تحكم دنياميكية السلطة والنفوذ عبر التاريخ".
للقوة بنظر الكاتب، ثلاثة أبعاد مختلفة ومتصلة:
°- القوة كوصف، "أي إنها شيء يمتلكه الشعب أو الجماعات أو الدول، أو يمكنهم الوصول إليه، وهو في متناولهم لبسطه في العالم".
°- القوة باعتبارها "علاقة"، إذ لا قيمة للقوة إلا من حيث القدرة على توظيفها للتأثير في الآخرين.
°- القوة باعتبارها "مرتبطة ببنية أو بفاعل معين": هذا البعد يعتمد على مفهوم مفاده أنه "لا يمكن ممارسة القوة إلا من خلال فاعل أو وكيل".
العبرة في الحالات جميعا بما يسميه الكاتب بالقدرات، ويمكن تصنيفها حسب "مدى قوتها ورسوخها في الميادين التالية: حجم السكان والمساحة والموارد والطاقة والقوة الاقتصادية والقوة العسكرية ودرجة الاستقرار السياسي والكفاءة وغيرها". القوة هنا لها جوانب مادية وأخرى معنوية غير ملموسة، أو ما يسميه جوزيف ناي بالقوة الناعمة. يضاف إلى ذلك ما بات يسمى منذ مدة ب"القوة الذكية"، وهي قدرة الفاعل على مواءمة عناصر القوة الصلبة بعناصر القوة الناعمة.
هذه العناصر التي تؤسس للقوة وتبني له،ا تتميز عبر العصور، وخصوصا بالزمن الحاضر، بالتوزيع غير المتكافئ ثم بالتحول وعدم الثبات، إذ "من ميزات القوة في العلاقات الدولية طابعها الحركي، حيث تنتقل من منطقة إلى أخرى ومن دولة إلى أخرى، ويصاحب ذلك تغير في هيكل النظام الدولي، أي سلم توزيع القوة بين فواعل النظام".
ويلاحظ الكاتب أن ثمة عاملان أساسيان في دفع القوى الصاعدة لتحدي الفاعل المهيمن ومحاولة زحزحته عن مكانته، وهما المقدرات المكتسبة، وحالة عدم الرضا عن وضع القوة في العلاقات الدولية. ولذلك، فإن الدولة المهيمنة تنظر بعين الترقب والتوجس لوضع الدول الكبرى التي تليها في تدرج هرم القوى، وتمثل المستوى الثاني في ذلك التدرج للقوى في النظام الدولي. "فالقوى الكبرى تملك مقومات الهيمنة، وربما تسعى إلى تحدي القوة المهيمنة في المستقبل، وهو ما يدفع الدولة الأقوى التي تهيمن على أكبر قدر من الموارد، لمحاولة دعم مركزها المهيمن عبر تفوقها العسكري والاقتصادي على منافسيها المحتملين".
إن اكتساب الدول للقوة عبر النمو الاقتصادي والإبداع التكنولوجي وليس عبر التحالفات فقط، يدفع بنظر الكاتب، باتجاه إحداث تكافؤ في القوة بين المتحدي (الرافض للوضع القائم)، والقائد (الساعي للحفاظ على الوضع القائم)، وهو ما يزيد من احتمالات الحرب، بينما يؤدي رجحان القوة لصالح الفاعل المهيمن على النظام الدولي القائم إلى غلبة كفة السلام، أي الاستقرار بالهيمنة.
بالتالي، فإن ظاهرة صعود وهبوط القوى الكبرى تاريخيا، إنما ترجع إلى "مجموعة من العناصر المتداخلة، يتعلق بعضها بممارسات تلك القوى وتفاعلاتها على الساحة الدولية، في حين يتعلق البعض الآخر بالأطراف المناوئة لتلك القوى الرافضة لممارساتها وإستراتيجياتها الإمبريالية أو التوسعية، والتي تتحين اللحظة التاريخية لإسقاط تلك القوى، بل ربما محاولة إرث دورها العالمي أو الإقليمي، استنادا إلى سنة التداول التي تحكم حركة البشرية منذ بدء الخليقة وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها".
قرأت لكم
16 أبريل 2026