Aller au contenu principal

"دين الإنسان" (1/2)

فراس السواح، منشورات دار علاء الدين، دمشق، 2002، 402 ص.

إن من أهداف هذا الكتاب، يقول المؤلف في التمهيد، هو "التعرف على الظاهرة الدينية كما هي وعلى حقيقتها، وذلك عن طريق وصفها وصفا دقيقا، وعزلها عن حقبة ظواهر الثقافة الإنسانية الأخرى المتعددة".

ولذلك، فقد استبعد الكاتب لإدراك ذات الغرض، أمران اثنان: فلسفة الدين باعتبارها امتدادا لفكر صاحبها وتعبيرا عن توجهاته ومواقفه. ثم تاريخ الأديان، بحكم أنه يهتم بالكشف عما حدث دون العناية بفهم ما حدث، أو تقديم "تركيب منظم يجمع الظواهر الدينية التي يدرسها إلى ظاهرة واحدة".

الكاتب يجنح بالتالي، إلى المقاربة الظاهراتية، أي تلك التي تنبني عل المنهج الفينومونولوجي، وهو منهج وصف لطريقة وطبيعة تعبيرات الظاهرة عن نفسها. البحث إذن هو بحث من منظور فينومونولوجيا الدين أو الأديان.

ما هو الدين؟ يتساءل الكاتب.

يميز الكاتب هنا بين المراحل التي مر بها تاريخ الفكر الإنساني: السحر، الدين، الفلسفة والعلم التجريبي.

ويلاحظ بأن الفكر الديني استطاع امتصاص "صدمة انتصار العلم والفلسفة، وما زال يزاحم وبقوة على اقتسام هوى وعقل الناس في كل مكان". بالتالي، "فالدين والفكر الديني ليس مرحلة منقضية من تاريخ الفكر الإنساني، بل هو سمة متأصلة في هذا الفكر". إن للدين تأثير هائل لا يزال قائما حتى اليوم.

الدين برأي الكاتب، هو "تفكر في كل ما يتأبى على العقل العلمي والتفكير الواضح...إنه الاعتقاد بأن وجود الكون هو سر يتطلب التفسير...هو الاعتقاد بالحضور الفائق لشيء غامض وعصي على الفهم".

الدين على لسان ماكس موللر مثلا، هو "كدح من أجل تصور ما لا يمكن تصوره، وقول ما لا يمكن التعبير عنه. إنه توق إلى اللانهائي".

يلاحظ المؤلف أن العديد من التعريفات تأخذ بفكرة الألوهة. بيد أنه يقر بأن هذا من شأنه أن يترك كثيرا من الأديان خارج دائرة التعريف، مثل الأديان التي تعتقد بكائنات روحية متعددة كأرواح الموتى والأرواح الحالة في مظاهر الطبيعة، والتي لا تنضوي تحت مفهوم الآلهة المعتاد.

لذلك، اقترح بعض الباحثين أن تتم الاستعاضة عن الألوهة ب"الكائنات الروحية، من قبيل عالم الأرواح والجن التي ترى الذهنية البدائية أن عالمها يتداخل مع عالم البشر".

ويستشهد الكاتب هنا بإميل دوركهايم عندما يقر بأن المفروض هو وضع تحديد للدين ينطبق على جميع الديانات. بالتالي، وجب البحث عما هو مشترك بين الديانات المختلفة واستبعاد تلك الأفكار والمعتقدات التي يختص بها دين دون آخر.

إنه يقر بالتعريف الذي قدمه دوركهايم والذي مفاده أن "الدين هو نظام متسق من المعتقدات والممارسات التي تدور حول موضوعات مقدسة، يجري عزلها عن الوسط الدنيوي وتحاط بشتى أنواع التحريم. وهذه المعتقدات والممارسات تجمع كل المؤمنين والعاملين بها في جماعة معنوية واحدة تدعى كنيسة".

بيد أن هذا التحديد يستوجب وضع معيار للتمييز بين ما هو مقدس وما هو دنيوي في معتقدات وممارسات جماعة ما.

من جهة أخرى، يرى الكاتب أن اختلاف وجهات النظر متأت من عدم التفريق بين ثلاثة تبديات للظاهرة الدينية: الدين الفردي، الدين الجمعي والمؤسسة الدينية.

°- الدين الفردي وهو "قاع الظاهرة الدينية"، ويتمثل في الخبرة الفردية التي يعاينها الإنسان في أعماق نفسه بمعزل عن الآخرين. هو تصور بدائي، سابق على أي تصور عقلاني. هو بمثابة الوحي الخاص الذي "يتلبس بالإنسان ولا يستطيع التحكم فيه"، تماما كحال الظاهرة الصوفية.

°- الدين الجمعي وهي الحالة التي بموجبها "تتخذ الظاهرة الدينية سمتها الجمعية عندما يأخذ الأفراد بنقل خبراتهم المنعزلة إلى بعضهم بعضا...وذلك باستخدام مجازات من واقع اللغة وخلق رموز تستقطب الانفعالات الدينية المتفرقة في حالة انفعالية مشتركة...وهو ما يقود إلى تكوين المعتقد".

مع ترسيخ هذا المعتقد، تتفرع عنه الطقوس التي "تبدأ في الاشتغال بطريقة أوتوماتيكية". العلاقة بين الدين الجمعي والدين الفردي هي شبيهة بالعلاقة بين الفرد والمجتمع.

°- المؤسسة الدينية وتحيل على ضرورة توضيح أن عبارة "الدين أفيون الشعوب" التي أطلقها كارل ماركس لا تنصب على الدين، بل على المؤسسة الدينية. إنها تنصب على "تفسير المؤسسة الدينية للدين، لا على تدين الناس، على تسييس الدين واستخدامه أداة ضغط وتسلط"، سواء من لدن السلطة الرمزية أو من لدن أفراد أو جماعات أو شرائح "تجعل من نفسها قيما على دين الناس ومرجعا أعلى لتفسيره والعمل بموجبه".

وقد تشكلت هذه المؤسسة الدينية خلال المرحلة الانتقالية بين المجتمعات القروية والمجتمعات المدينية الأولى.

من هذه التبديات الثلاثة، يخلص الكاتب إلى التعريف التالي للدين: "إن الدين الذي أصفه هنا، هو التعبير الجمعي عن الخبرة الدينية الفردية التي تم ترشيدها من خلال قوالب فكرية وطقسية وأدبية ثابتة، تتمتع بطاقة إيحائية عالية بالنسبة إلى الجماعة".

هذه القوالب التي ترشد الحس الديني وتجعل من الدين ظاهرة جمعية يمكن إرجاعها بنظر الكاتب، إلى ثلاثة أمور كبرى: المعتقد ثم الطقس ثم الأسطورة.

نافذة "قرأت لكم"

11 دجنبر 2025

Vous pouvez partager ce contenu