حسن حنفي، مركز الكتاب للنشر، القاهرة، 2006، 759 ص.
هذا كتاب ضخم. ليس من الهين اختصاره أو اختزاله في بضع صفحات. لذلك، سنقف عند مسألة العلم التي تبدو للكاتب مضمنة بالقرآن الكريم.
مفهوم العلم بنظر المؤلف، مفهوم رئيس مثل مفاهيم "الله، الإيمان، العمل، الدنيا...الخ". فهو الذي على أساسه "ظهرت تصورات العلم في العلوم الإسلامية العقلية النقلية، أصول الدين وأصول الفقه وعلوم الحكمة، وعلوم التصوف أو العلوم النقلية الخالصة، علوم القرآن والحديث والتفسير والسيرة والفقه أو العلوم النقلية الخالصة، الرياضية كالحساب والهندسة والفلك والموسيقى والجبر أو الطبيعة، الطب والصيدلة والكيمياء والمعادن والنبات والحيوان".
يبدأ علم أصول الدين بنظرية العلم والمعلوم، ويبدأ علم أصول الفقه بالمنطق باعتباره نظرية في العلم. وتبدأ علوم الحكمة بالمنطق باعتباره آلة العلوم...وتبدأ علوم التصوف بكتاب العلم كما الحال مع "إحياء علوم الدين" للغزالي.
العلم في القرآن الكريم جاء بالصيغة الفعلية أكثر مما ذكر في الصيغة الإسمية. إنه حركة وليس ثباتا، صيرورة وليست وجودا. أما الفاعل، فهو الله أولا، ثم الإنسان ثانيا.
ويلاحظ الكاتب أن الصيغ الفعلية تتعدد "عن طريق زمن الفعل الحاضر والماضي والمستقبل، طبقا لأبعاد الزمن الثلاثة، وأكثر الاستعمالات المضارع ثم الماضي ثم المستقبل".
أما في الصيغ الإسمية، فتتصدر صيغة "علم" أكثر من العالم، وعلام أكثر من عليم. إلا أن العلم "بالرغم من أنه يأتي بعد العالم، إلا أنه مستقل في العلم والمعلوم. وفي استعمال العلم كجوهر مستقل، يبدو الله نموذج العلم، في مقابل الجهل أو غير العلم أو اللاعلم. ثم يتلوه الذين أوتوا العلم أو أولوا العلم أو ذو العلم".
ثم إن العلم يوضع بنظر الكاتب، في مقابل الهوى والظن والنسيان، "ويكون موضوع العلم هو الكتاب أو التاريخ أو الساعة أو الملأ الأعلى أو الغيب".
أما بخصوص تحليل معاني إسم "العلم"، فتتراوح حسب المؤلف، بين سبعة حقول دلالية:
°- أولا: الله هو "نموذج العلم المطلق الذي يفيض على العلم الإنساني". معنى هذا أن الله هو العالم، والإنسان هو المتعلم. ومعناه أيضا أن علم الله هو العلم المطلق الشامل، في حين أن علم العلماء علم نسبي محدود.
°- ثانيا: "الراسخون في العلم هم الذين يرثون العلم الإلهي ويعلنون عنه ويجدون البراهين على صدقه".
°- ثالثا: "وضده الجهل وإصدار الأحكام بغير علم، مثل نسبة بنين وبنات إلى الله". وهو أمر "منزه عن التشبيه أو عبادة صنم لا سلطان له أو وثن لا قوة له، وسب الله أي الكفر العلم وتجاوزا له. والجهل كذب يؤدي إلى الضلال، لأنه قول بغير علم". الإيمان نفسه لا يكون إلا عن علم.
°- رابعا: العلم ضد الهوى. إذ "العلم موضوعي ثابت، دائم، أصيل. والهوى انفعال متغير وطارئ. الله ليس الهوى، بل الحق. والهوى ليس العلم، ويؤدي إلى الضلال".
°- خامسا: من مظاهر الاختلاف في العلم المحاجة والجدال، وليس البرهان، إذ "إذا كان الحجاج يمكن فهمه بعد العلم، فإنه لا يمكن قبوله عن جهل بموضوعه".
°- سادسا: العلم هو "العلم العملي وليس العلم النظري، العلم المتوجه نحو العمل وليس النظري الخالص". إذ "كل مسألة نظرية لا ينتج عنها أثر عملي، فهي خارجة عن العلم، عارية عنه".
°- سابعا: "العلم والجسم قوتان: نظرية وعملية، معنوية ومادية، وهما شرطان لاصطفاء النبي". ثم إن العلم والحكم صنوان: "فالعلم نظر والحكم عمل".
بكل هذه الأبواب، يظهر الله كفاعل في صيغة المضارع "يعلم" وفي الزمن الحاضر أكثر من صيغة الماضي"، لأن أي فعل العلم الإلهي ما زال متصلا...الله هو أعلم، ولا يظهر فعل التفضيل إلا الله".
نافذة "قرأت لكم"
27 نونبر 2025