علي حرب، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، 2015، 141 ص.
هل هناك علاقة بين الإسلام والإرهاب؟ يتساءل الكاتب في مقدمة هذا الكتاب.
هذه المسألة هي واحدة من مشكلات الساعة. إن النقاش حولها يتجدد مع كل عملية إرهابية أو غزوة جهادية تصدم الرأي العام الإسلامي والعالمي. لكن المقاربات بشأنها تختلف وتتضارب، "بين النفي والإيجاب، بين تزييف الحقائق وفهم الوقائع، بين التبسيط الفادح والتحليل الكاشف".
يلاحظ المؤلف أن أكثر المسلمين "ينفون أن تكون هناك صلة بين الدين الإسلامي وبين ما ترتكبه باسمه المنظمات الجهادية من العنف الفاحش. فالرأي المستقر في الأذهان هو أن الإسلام دين يتصف بالتسامح ويمتدح الاعتدال والتوسط".
لكنه يقر بأنه سيسير "بعكس الاتجاه، لتبيان العلاقة البنيوية بين الإسلام والإرهاب من وجهين: على المستوى الفكري، ثمة علاقة منطقية بين المفهومين. فالإسلام بوصفه دينا يؤمن أتباعه بأنهم أصحاب كتاب مقدّس ينطق بالحقيقة المطلقة والنهائية، هو مصدر لإنتاج التعصّب والتطرّف والعنف...على المستوى المجتمعي، ثمة علاقة طبيعية بين الإرهاب والإسلام، لأن المجتمع الإسلامي يشكل، بمؤسساته وجمعياته الاخوانية، البيئة الحاضنة التي يتحرك فيها النشاط الإرهابي. بهذا المعنى فالإرهاب هو ثمرة لصعود الإسلام السياسي على المسرح، بأحزابه ودعاته ونجومه الذين احتلوا الشاشات
والساحات، بقدر ما ابتلعوا باقي السلطات العائدة للأهل والمعلّم والمثقف والنقابيّ والشرطيّ والسياسي".
هذا ما يفسر بنظره، "ردات الفعل السلبية أو العنيفة ضد أعمال المساءلة النقدية والمراجعة العقلانية للنصوص الدينية، كما تشهد دعاوى التكفير والردّة من جانب الإسلاميين ضد الكتاب والفنانين والمفكرين، منذ زمن طه حسين في العشرينات من القرن الفائت. واليوم يزداد الإسلاميون شراسة، كما تشهد محاولات نفي أو اغتيال أصحاب الكتابات النقدية للتراث والدين، أو أصحاب الرسوم الكاركاتورية التي تمس الرموز والمقدّسات الإسلامية، أكانوا مسلمين أم غير مسلمين".
هذه المقاربة النقدية لظاهرة الإرهاب ليست وحيدة الجانب برأي الكاتب، وإنما "تشمل ثلاثة فاعلين يشكلون ثالوث المرشد والطاغية والمثقف، وهم، وكما أصفهم، ملاك الله والاوطان والحقيقة. وكل فاعل منهم قد أسهم في صناعة ما نشكو منه، بأدواته وعلى طريقته: المرشد الذي يسخر اسم الله لسلطته وأهوائه أو لأحقاده ومغامراته بقدر ما يتعامل مع كل من لا يفكر على شاكلته. المثقف الذي لم يحسن طرح أفكاره. الطاغية الذي يتعامل مع بلده كمالك الملك".
من جهة أخرى، يقر الكاتب بأن المسلمين، "وإن آمنوا أو صدقوا أو خضعوا، فإنهم لم يكونوا ملائكة، بل كسواهم من البشر، قد تحرّكهم مبادئ الشريعة وقواعد الفضيلة، بقدر ما تحركهم الأهواء والمطامع أو الأحقاد والعداوات. هذا ما شهدت به الأحداث في زمن النبي العربي صاحب المشروع ومؤسّس الشريعة، وهذا ما حدث خاصة بعد وفاته، حيث الصراعات والحروب بين خلفائه على المشروعية أفضت إلى حروب سالت فيها أنهار من الدماء، شاهدة بذلك على أن الكلام على عصر ذهبي أو فردوسي، هو خرافة صنعتها النرجسية الثقافية لأصحاب الدين الغالب".
ويقر أيضا بأن "غير المسلمين الذين يبحثون عن إسلام معتدل، إنما يشهدون على جهلهم بحقيقة الأديان وهوياتهم. فالمسيحية، التي صنعت محاكم التفتيش، لم تمارس التسامح إلا بعد انتصار الثورة في عصر الأنوار. كذلك فإن المسلم المدافع عن وجود إسلام معتدل، إنما يشهد على جهله بمبنى عقائده وأصول ديانته، أو على أنه منافق وغير صادق في ما يقول، تماما كما أنه يشهد على جهله بالتاريخ الإسلامي على
مستواه العقائدي، حيث العلاقات بين الفرق والمذاهب المختلفة، لم تبن بحسب منطق التعارف والتواصل، بل بحسب منطق التنابذ والتنازع والتقاتل".
ويحسم بالقول: "لا وجود لمسلم معتدل، كما لا وجود لمتدين عاقل. إذ ما معنى أن يحتاج شعب إلى نبيّ، فيما وراء حكاية الاصطفاء؟ معناه أنه قاصر ومحتاج إلى وصي عليه يفكر عنه. معناه أن لا عقل له أو لا يحسن استخدامه. فلنحسن قراءة المصطلحات، وتأمل الآيات لنستفق من غيبوبتنا ونكسر نرجسيتنا".
إن العقائد برأي المؤلف، "لا تنتج إلا ما يصدمنا أو يفجعنا من التصرفات المستهجنة والأعمال البربرية، سواء اختص الأمر بهذا الدين أو ذاك. وهذه حال الإسلام. ولا فرق داخله بين مذهب ومذهب. يستوي الجميع في منطق التكفير البربري وأعمال العنف الهمجي. لأن ذلك كامن في الجينات الثقافية وفي العقليات المفخّخة التي تنفجر في الأماكن العامة".
ويخلص للاعتقاد: "لنعترف بما تصنعه أفكارنا ودعواتنا. كلنا يستخدم الدين للهدم لا للبناء، للتفرقة لا للتواصل، للهيمنة لا للتدبير العاقل والإدارة الرشيدة. ومن المفارقات أن الإسلاميين، أي أصحاب مشاريع الخلافة الإسلامية والولاية الفقهية والحاكمية الإلهية، دولاً وحكومات أو أحزابا ومنظمات، لا يقيمون وزنا للقيم التي هي أساس الشرائع والأحكام والتي بها يكون الإنسان إنسانا، كالتقى والتواضع والعفو والتعارف والتكافل والتراحم... لأن هاجسهم هو الوصول إلى السلطة والقبض عليها بأي ثمن، أي بانتهاك كل ما يدّعون".
لا أحد بنظر الكاتب "يملك هوية نقية أو ثابتة. هذا وهم كبير. نحن أصحاب هويات مركبة تنسج من التعدد والتنوع في العناصر والروافد، بقدر ما هي محل التباس أو توتر بين الميول والنزعات. وهوياتنا ليست وراءنا بل أمامنا، أي هي صيرورتها الدائمة، بقدر ما هي قدرة الواحد على ابتكار ما يمكن أن يعود بالفائدة عليه وعلى مجتمعه وعلى العالم: فكرة خلاقة أو قاعدة صالحة أو أداة فعالة أو ماركة جذابة".
ويختم: "الخروج من المأزق يتوقف على ابتكار لغة جديدة في التعامل مع النفس والآخر والعالم، بحيث تدار الشؤون بمفردات النسبي والمتعدد والمتغير والعابر، كما تساس الهويات والقضايا بلغة التحويل الخلاّق والتجاوز الفعال أو التبادل المثمر والتركيب البناء"...لأن التوحش هو صنيعتنا جميعاً، وبالأخص ثالوث الطاغية، والمرشد، والمثقف الداعية. إذ كل واحد منهم أسهم في صنعه بلغته وعلى طريقته واحد يصنعه باستبداده وفساده، وآخر بتألهه ونرجسيته، وثالث بعجزه وإخفاقه، أو بكل هذه الآفات معا".
نافذة "قرأت لكم"
13 نونبر 2025