جورج طرابيشي، دار الساقي، بيروت 2012، 144 ص.
يبدأ الكاتب في المقدمة، بالتساؤل التالي: "كيف نتحدث عن مذبحة للتراث في ثقافة تنتمي في مكونات هويتها وفي زمنيتها معا، إلى أزمنتها التراثية انتماء يكاد يعز أن نقع على نظير له في القوة والمتانة في ثقافة أية أمة أخرى؟".
ويلاحظ بأنه على الرغم من غناها وتطورها، فإن هذه الثقافة "تبدو وكأنها من أكثر ثقافات العالم انشغالا بشاغل التراث". بيد أن هذا الاشتغال سرعان ما تحول إلى ما يشبه لحظته الإيديولوجية، في حين "تبقى اللحظة الغائبة أو الواهنة الحضور هي اللحظة المعرفية، بأداتها التي هي التحليل العلمي الموضوعي، وبغايتها التي هي الحقيقة التاريخية".
وعليه، فإن "التراث المؤدلج هو تراث بلا حقيقة تاريخية". الخلفية هي أنه ثمة من يبرئ التراث، لكن ثمة أيضا من له رغبة مسبقة في تجريمه، وبين هذين المستويين، ضاعت الحقيقة التاريخية.
يقف الكاتب عند ثلاث مذبحات نظرية يراها قائمة فيما يتعلق بالموقف من التراث:
°- المذبحة النظرية الأولى: التيار الماركسي. وهي المذبحة التي قام عليها المثقفون والباحثون الملتزمون بالرؤية الماركسية للعالم. السؤال ينحصر هنا في التالي: "ماذا ينبغي أن يؤخذ من هذا التراث وماذا ينبغي أن يترك؟". الأصل بنظر الكاتب، هو أن التراث ليس كلا متجانسا، بل هو "حقل للصراع...من هنا حتمية التشطير وحتمية توظيف جزء من التراث في مواجهة جزئه الآخر، وفي المواجهة الكلية مع الخصم الإيديولوجي".
يذهب أصحاب هذا الطرح إلى أن غرض الانتقاء من التراث إنما توظيف جوانبه الإيجابية (عقلانية، ديموقراطية، ثورية) بهدف "سحب البساط من تحت أقدام المتاجرين بالدين، وبهدف التصدي للسلفية الظلامية بأسلحة فكرية من نوع الأسلحة نفسها التي تستخدمها في معركتها ضد الإيديولوجيا التقدمية". إنها حرب للتراث على التراث.
°- المذبحة الثانية: التيار القومي. وهو تيار يتقاسم مع التيار الماركسي معياريته الإيديولوجية (ثنائية التقدمية والرجعية)، لكنه لا يتقاطع معه في "مسألة الفرز الطبقي الصارم والمستنير بإيديولوجيا الطبقة العاملة". الأول يتغيأ "النقاء الطبقي"، الثاني يراهن على "النقاء القومي".
بداخل التيار القومي، نقف عند النموذج العلماني الذي ينادي بضرورة العودة إلى "تراثنا المجيد"، والاعتداد بلغتنا "التي هي أبلغ مظهر لتجلي عبقرية أمتنا ومستودع لتراثنا". إن هذا التيار ينصح بالعودة إلى ما يسمى ب"البداوة الفطرية"، لكن من الغبن "تحضير البدو"، إذ إن "ابن البادية لا يمثل الأصالة فحسب، بل إنه العنصر الذي تقوم عليه ملاءمة الأمة العربية للمراحل التاريخية التالية".
أما الفرع الثاني من هذا التيار، فهو النموذج القومي الإسلامي. هو نموذج نقيض للنموذج العلماني الذي ينادي بضرورة العودة إلى "الحدس الأول، إلى النشأة البكر، إلى براءة اللغة في الطور البطولي الجاهلي السابق للإسلام". النموذج الإسلامي يسير نفس المسار، لكن وصولا إلى الإسلام كنقطة بدء لا إلى الجاهلية.
يعتبر محمد عمارة من بين كبار من يمثل هذا النموذج. إنه يرى أن بالتراث العديد من الجوانب الإيجابية التي يجب إحياؤها وتثمينها، مع استبعاد النصوص الضارة أو المعوقة للنهضة، ولا حاجة لإضاعة الجهد والوقت بالوقوف عندها، معياران هما العقلانية والاستنارة.
فارق محمد عمارة مع النموذج العلماني أن العروبة عنده هي "عروبة حضارة قبل أن تكون عروبة جنس، وعروبة فكر قبل أن تكون عروبة لغة، وعروبة عقل قبل أن تكون عروبة حدس".
°- أما المذبحة النظرية الثالثة، فتتمثل بنظر الكاتب، فيما يسميه "التيار العلمي". يميز الكاتب هنا بين نموذجين:
+ أولهما: النموذج العلمي البراغماتي، وهو نموذج انتقائي، أي يعتبر التراث مجموعة وسائل تقنية يمكن أن نستخدمها اليوم "ونحن آمنون إلى ما استحدثناه من طرائف جديدة". إن الذي يمكن أخذه من التراث وفق هذا التصور، هو كل ما هو عملي "وأما ما لا ينفع نفعا عمليا تطبيقيا، فهو الذي نتركه غير آسفين".
المدار هنا هو العمل وهو التطبيق. بالتالي، "لا يكتفي مجدد الفكر العربي بالإعلان عن زيف العلم النظري وعدم نفعه وصلاحه إلا بقدر ما يرتبط بالتطبيق". إن كلمة المعرفة هنا باتت تطلق على ضروب كثيرة من اللغو، ولو "استخدمناها استخداما دالا، لقصرناها على المعرفة العلمية العملية".
وعلى هذا الأساس، فإن ما سوى هذه الجوانب لا يجب أن يعتد به في التراث العربي/الإسلامي، أي ما سوى العلم والتقنية والتصنيع، لا يستاهل من مآل غير مآل "الآثار المحفوظة في المتحف". أما الفتوى والآداب والمعارف التقليدية التي ورثناها، فلا تصلح إلا ك"مادة للتسلية في ساعات الفراغ".
هذا هو مضمون هذا النموذج، وقد رفع لواءه زكي نجيب محمود في كتابه "تجديد الفكر العربي". يقول هذا الأخير: "لم يعد التقدم مرهونا بالعلماء الفقهاء الذين يقصرون العلم على شروح على النصوص، ثم على حواش تلحق بالشروح...لكن لا تلك الثقافة ولا ذلكما العلم والفقه بمدير عجلات المصانع ولا برافع لطائرة جناحا ودع عنك أن يوجه تقنيات الحرب في ساحات القتال".
يجب بنظره، أن "ننتقل من معرفة قوامها الكلام إلى معرفة قوامها الآلة التي تصنع". الآلة هنا ليست كتلة من الحديد، وإنما هي "علم مجسد ومهارة مركزة".
+ ثانيا: النموذج العلمي الإبستمولوجي الذي يمثله محمد عابد الجابري. يستبعد الجابري هنا لغة الشعر، لأنها عنده "لغة الحساسية والوجدان"، وهذان في تقديره "لا يدخلان في عداء العقل، ولا يمكن أن يمثل أحد أشكال تجلياته"، ثم يستبعد النشر الفني، لأن هذا الأخير "لغة الخيال، والخيال عنده ملكة مفارقة للعقل"، ويستبعد النثر العلمي، لأن "لغة العقل هي تحديدا وحصرا لغة المعقولات والمجردات".
لذلك، لن تجد الجابري يستشهد ببيت شعري واحد. حتى أنه عندما يتعامل مع ابن خلدون، فهو يتعامل معه كفيلسوف وليس كمؤرخ. العقل عند الجابري يعمل تحت إمرة أنظمة معرفية ثلاثة: البيان والعرفان والبرهان. هذا في كتبه الأولى، بينما اعتمد في كتابه "العقل السياسي العربي" ثلاثية "القبيلة والغنيمة والعقيدة".
يقر الجابري بأن تجديد الفكر العربي يتوقف على مدى استيعابنا للمكتسبات العلمية والمنهجية المعاصرة، ويتوقف "على قدرتنا على استعادة نقدية ابن حزم وعقلانية ابن رشد وأصولية الشاطبي وتاريخية ابن خلدون". ويتابع الجابري: "إنه باستعادة العقلانية النقدية التي دشنت خطابا جديدا في الأندلس والمغرب مع ابن حزم وابن رشد والشاطبي وابن خلدون، وبه وحدها يمكن إعادة تأسيس بنية العقل العربي من داخل الثقافة التي ينتمي إليها، مما يسمح بتوفير الشروط الضرورية لتدشين عصر تدوين جديد في هذه الثقافة".
نافذة "قرأت لكم"
30 أكتوبر 2025