Aller au contenu principal

"النخبة الفكرية والانشقاق: تحولات الصفوة العارفة في المجتمع العربي الحديث"

محسن الموسوي، وزارة الثقافة والفنون والتراث، الدوحة، شتنبر 2015، 172 ص.

لم يتشكل حضور النخب الثقافية والفكرية العربية، منذ النصف الثاني للقرن التاسع عشر، بمعزل عن الآخر، أي الغرب. بهذا المدخل يقدم الباحث كتابه. ثم يقف عند مفهوم النخبة عند بعض المثقفين العرب.

      فالنخبة كما يعرضها طه حسين، في "المعذبون في الأرض"، ليست مجموعة من الأذهان المثقفة المطلة على المشهد السياسي. "إنهم أولئك الذين أفنوا شبابهم من أجل دولة مستقلة متحضرة قادرة على العناية بأبنائها، وضمان المساواة الاجتماعية والصحة والحرية العامة".

بيد إن هذه النخبة ليست لفيفا موحدا. إذ نجد فيها "داعية الحكم الدستوري؛ كما أن فيها داعية الإمبراطورية الموحدة، والمستبد العادل...الخ".

ثم إن الصنيع الذي شاركوا في صياغته وتكوينه (دولة عصرية) لا يستقر على حال، ولا ينتهي عند مآل، و"لربما يتنامى هنا، وينهار، هناك، فلا تنفع مقترحات التجسير الكثيرة المقترحة لرأب الصدع إلا عندما تتيسر المناخات شبه الحرة".

إن الاعتراف بالوظيفة الاجتماعية للمثقف قائم وموجود، وقد يندرج المثقفون في الشراكة شريطة

ألا تستعديهم الدولة. أما التورية أو الالتفاف، كجسر فضي موصل، فلربما يتحققان، نسبيا، كلما اضطر المثقف إلى الإذعان والمسايرة.

إلا أن المثقف نفسه، غالبا ما يجد نفسه عند مفترق الطرق: "فلا الحزب ضامن للحقيقة، ولا الجماهير لصيقة به، مهما تعددت أدوات الخديعة، وتباينت عندما يكون مالكا للسلطة، ما بين دعاية وإعلام وتسويف وخديعة". أما "تغيير الآراء تبعا للظروف"، أو التزام الصمت الحذر والتبجح الوطني والردة المتأخرة  فكلها من مواصفات انتفاء الصفة لا حضورها.

إن مثقف النهضة، ذلك العائد من الخارج الأوروبي بخاصة، كانت له رسالتان بنظر الكاتب: "إحداهما تروم بلوغ ذوي الأمر، وتستطلع الأخرى احتمالات العلاقة المباشرة بالعامة أو بالجمهور المتعلم منها. لكنه بين الرسالتين، يقيم حواره المستمر مع الجانبين، مشيدا جسوره الكثيرة، ما بين المسايرة والرفض، مشكلا لنفسه كيانه الخاص، وعندما نستثني مثقفي المجتمع السياسي، والحاكم منه، تحديدا، أو ذلك المتناوب معه، تتفاوت فاعلية المثقفين العرب: ما بين ليبرالي غير مشغول بالفعل السياسي، وآخر شريك في تكوين الرأي الأدبي المحض أو البحثي الخالص، وثالث يرى أن مهمته تتجاوز الانهماكات البحثية المحض باتجاه تفعيل الرأي العام وتحريكه، من خلال الشراكة مع الجماعات والفئات والجمعيات، أو مباشرة عبر منابر الدرس والصحافة والمنافذ العربية والأجنبية".

من حينه، يتابع الكاتب، بات "التوق إلى الحرية، والمجاهدة لخدمة المجتمع، والتعارض مع رغبات القمع والهيمنة لدى السلطات، اجتماعية أو سياسية أو فردية حاكمة، والتمسك بأولويات الفعل الإنساني وشروطه، هي مكونات هوية المثقف".

فما بعد النهضة، ثمة حركات تحرر، ودول وطنية، وتقلبات، وحكومات، وسلطات متفاوتة،

بما يجعل الحركة والرأي يتفاوتان في ضوء كل مرحلة، من دون أن يعني ذلك التنازل عن أي من مكونات الهوية أعلاه.

إلا أنه "بمقدار حضور وريث المستعمِر واستئساده، يتشكل خطاب الامتعاض وانفراطاته الكثيرة في نصوص العصيان. إنه خطاب ما بعد الاستقلال، ولهذا فهو يحمل عنف ردتين في آن واحد، لدرجة أن ما ورد عند طه حسين في المعذبون في الأرض يقل عنه بكثير، لأنه يتوجه نحو داخل مهيمن أسوأ بكثير مما كان عليه الأمر أيام التبعية للمستعمر".

لكن نشدان الحرية والتوق إلى المعرفة (وهما سمتا المثقف) لا يتأكدان في النص وحده، لأن الأخير "يحيل على هذا العالم، كما أن المثقف المعني مرصود ومقصود من شتى القوى المضادة للسمتين المذكورتين: فكما أن الديكتاتور يرى فيهما انتهاءه، كذلك الأمر بالنسبة إلى أفراد الفئة الظلامية والمتخلفة والشوفينية والمستبدة؛ إذ يجتمع هؤلاء إلى مائدة واحدة، لاإنسانية".

ولذلك، فإن المثقفين العرب الذي يعنيهم الكاتب، فهم نساك المعرفة، أي "الذين يمكن أن تتأسس في أذهانهم مشاريع الكرامة الإنسانية في الوقت نفسه. إنهم الامتزاج الدقيق بين العفة والتزام الحرية، هدفا ومسعى للناس جميعا، من دون استثناء".

نافذة قرأت لكم

4 شتنبر 2025

Vous pouvez partager ce contenu