Aller au contenu principal

"الحركات الإسلامية في منظور الخطاب العربي المعاصر" لتركي علي الربيعو

تركي علي الربيعو، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء/بيروت، 2006، 276 ص.

يقسم المؤلف هذا الكتاب إلى مجموعة من الفصول، أفردها لتناول "ظاهرة" الحركات الإسلامية، من زاوية نظرة الخطاب العربي المعاصر لها.

يعتبر الكاتب بداية، أن الخطاب العربي هو "خطاب محكوم بسلف. والإيديولوجيا العربية المعاصرة هي إيديولوجيا غير مطابقة. ولذلك، يلجأ الخطاب العربي المعاصر لأن يخفي ضعفه المعرفي وثغراته المنطقية، بواسطة مضامين إيديولوجية ينقلها من هذه الجهة أو تلك".

واستشهاد بالراحل محمد عابد الجابري، يعترف الكاتب بأـن ثمة ما يشبه "غياب العلاقة بين الفكر والواقع في الإيديولوجيا العربية المعاصرة". بالتالي، فالاختلاف لا يطال تأويل الواقع، بل اختلاف السلطة المعرفية المعتمدة كمرجع.

ما الذي يقصده المؤلف بالخطاب التقدمي العربي مثلا؟

يعني به تحديدا ذاك "الخطاب الصادر عن مفكرين عرب، بلغة عربية وبفكر أفقه عربي". أما المقصود باليساريين التقدميين، فهم "الشيوعيون والبعثيون والقوميون العرب والناصريون، بكل فرقهم وتشكيلاتهم".

المعيار هنا بتقدير هؤلاء، يقوم بالقياس على تيار آخر، "يتحدد سلبا ويوصف بالرجعية والانغلاقية والظلامية، ويختصر عادة باسم اليمين العربي، أو بعبارة أدق بما يسمى بظاهرة الإسلام السياسي، والذي يشمل كل محاولة لإقحام الدين في التعاملات الدنيوية للأفراد والجماعات".

للخطاب التقدمي على دعاة الإسلام السياسي مواقف متباينة لحد التناقض، لكنها "تحتكم جميعا إلى إطار مرجعي واحد، وهو هنا الماركسية كمنهج، في رؤيتها للعامل الديني وتجلياته عبر التاريخ".

يرى المؤلف  أن من يتتبع هذا الخطاب من السبعينات إلى اليوم، سيلاحظ أنه يجتمع على تفسير نشأة الحركات الإسلامية، بتفسير سيكولوجي، إذ معظم الشباب الملتحق بهذه الحركات هم، بنظره، من وسط نوعي، أي من الكليات والمعاهد العلمية التي غالبا ما تكون عرضة للقهر كما حال باقي الشباب.

أما التفسير الثاني، فيكمن برأي الكاتب، في الأداة التعليمية التي لا تساعد على الفكر النقدي وعلى التساؤل...لذلك، استفادت الحركات الإسلامية من الردة على المشروع القومي، لا بل إن النظم السياسية (حالة السادات في مصر مثلا) تحالفت مع الإخوان لضرب الناصريين واليساريين والمثقفين. إذ كان السادات "بحاجة إلى قاعدة شعبية يوازي بها قاعدة الناصريين واليساريين، الذين كان يراهم بمثابة تحد خطير لزعامته".

بيد أن الكاتب يلاحظ أن كل هذه الزوايا مؤدلجة، إذ الحركات الإسلامية هي "ظاهرة موضوعية وعريقة، ومجرد وصفها بالسلفية  له دلالة خاصة". هو يعتبرها موضوعية، "لأنها فعلا حركة جماهيرية وبالعراقة، ولأنها تمتح من موروث عريق وهو هنا الإسلام".

ثمة تفسير آخر، ينعته الكاتب ب"التفسير السوسيولوجي"، إذ يرى أن الخطاب التقدمي العربي يحيل الحركات الإسلامية على وسطها الريفي...وهو تصور محمود أمين العالم وفالح عبد الجبار وغرهما. وهي أوساط من الشباب تنتقل إلى المدن، فتكتظ بدور الصفيح والعشوائيات، وتكون نسبة الفقر والأمية لديها مرتفعة ووعيها السياسي متدني.

يعتقد الكاتب أن هذا الخطاب يحمل في ثناياه "سلفوية ماركسية، مستترة وخفية وظاهرة، تحتقر الفلاح وثقافته". ثم إنها "تحمل نزعة استشراقية تحقيرية للدين الإسلامي، على أنه دين البساطة والبداوة والريف".

ويعتقد أيضا أن هذا الخطاب يحتقر الريف ويرفع من مقام المدن، وهذا الأمر لن ينتهي بنظره إلا "بترييف المدن أو تمدين الريف". لذلك، يرى أنه "أمام غياب نظرية عربية تقدمية حول الدين، حيث يجد الخطاب التقدمي العربي نفسه ملزما بالعودة إلى المثال لا إلى الواقع والخصوصية".

من جهة أخرى، فإن "الانحطاط والشكلية والجمود والرجعية والوعي الزائف، كلها تعابير مشحونة يستخدمها الخطاب التقدمي العربي في قراءته للخطابات الصادرة عن الحركة الإسلامية".

هذه أحكام صادرة عن محمود أمين العالم وسمير أمين ومحمد حافظ وغيرهم. بيد أن سبل الالتقاء بين هذا الخطاب والإسلام السياسي تبدو عصية، إذ يعتبر الخطاب التقدمي أن القول بأن "القرآن الكريم هو برنامجنا لا يفي بالحاجة". ويعاب على هذه الظاهرة كونها "رجعية غنوصية، ظلامية، لا تواكب". ويرى فيها أيضا تعبيرا عن فكر عصور الانحطاط، يضعها خارج التاريخ.

ويخلص الكاتب إلى رأيه الخاص: "إن الخطاب التقدمي العربي عندما يعالج ظاهرة الحركات الإسلامية المعاصرة، يكشف عن خلل مزمن في طريقة تفكيره. فهو يضحي بالواقع لصالح النص، بالحركة لصالح الإيديولوجيا المتخشبة وأحكامها المسبقة. وبذلك، فهو يتمفصل مع العنف، العنف الذي يهدف إلى إلغاء الطرف الآخر وتدميره".

Vous pouvez partager ce contenu