Aller au contenu principal

الإيديولوجية العربية المعاصرة" لعبد الله العروي"

 

عبد الله العروي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء/بيروت، 1995، 276 ص.

ببداية هذا الكتاب، يعترف المؤلف بأن ثمة كتبا كثيرة تؤرخ لتيارات الفكر العربي منذ عصر النهضة وإلى اليوم. وثمة أخرى تصف تطور الشعوب العربية والإسلامية. وثمة ثالثة "تهدف إلى إرساء قواعد سوسيولوجيا ثقافية تظهر علاقة التصورين، التاريخي والاجتماعي".

هذه مستويات لا تعني الكاتب كثيرا، كونه يريد أن يمهد للأمر بدراسة الوضع الثقافي، لكن ليس عند حدود المغرب، بل من خلال إشكالية جماعية تعني العرب جميعا.

يلاحظ الكاتب هنا أن هذه الإشكالية تتلخص في مسائل أربع:

°- مسألة الذات، أي مسألة تحديد الهوية. يزعم المؤلف، بهذه النقطة ألا تحديد لهذه الذات دون استحضار "الغير"، وهذا الغير هو بالتأكيد الغرب.

°- مسألة التاريخ حيث السؤال هو : "كيف يتمثل العرب تاريخهم الطويل، الغامض، المشرق والمظلم في آن، الموزع بين فتوحات باهرة وانكسارات مشينة؟"

°- مسألة المنهج، الفكري والعملي، أي "ما هي طريقة الفكر والتصرف التي تضمن للعرب المحدثين، المساواة مع ذلك الغير الذي يعاكسهم باستمرار، والذي كثيرا ما غلبهم واستعبدهم؟".

يحيل هذا السؤال، بنظر الكاتب، على مسألة "كونية العقل البشري"، أي "هل يوجد اليوم قاسم مشترك بين بني البشر، لا سيما العرب والغرب؟". لو وجد فمعناه أن "مستقبل الإنسانية واحد"، ولا أهمية بعد ذلك للمسائل التي ظلت عالقة حول الذات والتاريخ.

°- مسألة التعبير، أي بأي صيغة فنية نعبر عن هذه "المرحلة الانتقالية"، حتى تكون لها قيمة كونية يفهمها كل البشر.

يعتقد الكاتب أن هذه المسائل هي التي شغلت العرب منذ أكثر من مائة سنة، والتي لم يفتأوا يبحثون عنها: الهوية، الماضي، العقل الكوني، الفن المطابق، أو لنقل أربع ركائز: الأصالة، الاستمرار، الكونية ثم التعبير.

هذه عناصر مشتركة، لكن العنصر الثقافي هو الجامع لها بامتياز.

يقصد الكاتب بالإيديولوجيا (أو بالأدلوجة كما يسميها) أشياء ثلاثة: أولا، ما ينعكس في الذهن من أحوال الواقع، انعكاسا محرفا بتأثير...من المفاهيم المستعملة". ثانيا، "نسق فكري يستهدف حجب واقع يصعب وأحيانا يمتنع تحليله". ثالثا، "نظرية مستعارة لم تتجسد بعد كليا في المجتمع الذي استعارها".

من هنا، فاختياره يصب على الدولة وليس على المجتمع. يحاول الكاتب أن يجيب على ثلاثة أسئلة: "هل القاعدة المادية هي المحدد الوحيد لثقافة مجتمع ما؟ هل المحدد الوحيد لأدلوجة ما، هو المجتمع الذي يوظفها والطبقة التي تستعملها؟ ما هو شكل الاتصال بين ثقافتين متصلتين؟".

هذه الأسئلة الثلاثة، رد عليها المؤلف في النص الذي يحمل عنوان "العرب والأصالة"، حيث يلاحظ أنه منذ ما يقرب من ثمانية عقود، لم يكف العرب عن السؤال: "من نحن ومن الآخر؟". والآخر المقصود في هذا الباب هم النصارى، ثم الإفرنج فيما بعد، ثم الغرب بلغة اليوم.

يميز الكاتب ضمن الإيديولوجيا العربية المعاصرة ثلاثة تيارات أساسية. "يفترض التيار الأول أن أم المشكلات في المجتمع العربي الحديث تتعلق بالعقيدة الدينية، والثاني بالتنظيم السياسي والثالث بالنشاط العلمي والصناعي":

°- النقطة الأولى ويرمز إليها بالشيخ، أي ذاك الذي "لا ينفك يرى التناقض بين الشرق والغرب في إطاره التقليدي، أي كنزاع بين النصرانية والإسلام". هذا سجال دائم برأيه لأكثر من 1200 سنة على ضفتي المتوسط، من الشرق العربي إلى الأندلس.

طيلة هذه المدة، كانت كل مسألة تعرض للمجتمع إلا وتذوب بين يدي الشيخ في علاقات المخلوق بربه. "هذا موقف صالح لكل زمان ومكان، فلا يبقى معه أي مجال للنقاش".

يعتقد الشيخ أن "سبب ضعفنا هو الإعراض عن الرسالة والتنكر لدعوة الإسلام"...لكن المسلمين أعرضوا عنه، فعادوا إلى جاهليتهم، "فضاق الأمر على العقل وهاجر مرغما إلى بر النصارى، حيث منحهم ضدا على عقائدهم، الثروة والبأس والمجد".

لكن هذا العقل، حسب الشيخ، "سيعود بيننا بمجرد ما نتوب إلى رشدنا ونعترف بأخطائنا"... "وسيتحقق مرة أخرى ما وعد الله به عباده المتقين".

°- رجل السياسة. ينطلق الكاتب هنا من معطى أن العقل بالغرب، وإن كان غائبا عن المسيحية كدين، فهو لم يكن غائبا عنها كثقافة. إذ أيا يكن مصدره، من الأندلس أو من غيرها، فإنه "وجد في أوروبا تربة ملائمة".

يعتبر الكاتب هنا أن القرن الثامن عشر الأوروبي هو أقرب القرون إلى نفوسنا كعرب، إذ نجد خلاله ما نطمح إليه: "فضح الكنيسة وفند نظرية ثنائية السلطة الجارية عند المسيحيين"، لا بل إن روسو دعا إلى "اعتماد قانون واحد تنتظم به شؤون الدنيا والآخرة، نابع من غريزة الخير التي أودعها الخالق في قلب كل إنسان".

إنه يحلل بشكل من الأشكال النظام الإسلامي ويبرر مقصده الأسمى. بيد أن القرن الثامن عشر هو أيضا قرن مونتيسكيو، يقوا الكاتب، والذي قال بأن الشرق لم يعرف أبدا سوى الاستبداد والجور والخوف، "حاكم مطلق ورعية مقهورة مستعبدة". وفي ظل العبودية "لا تزدهر زراعة ولا تجارة ولا علم ولا فلسفة".

التحرر من هذه الوضعية يستوجب استعادة الحرية التي هي سجية العربي. السياسي يستدرك هنا ويزكي العقيدة، لأن العودة للديموقراطية هو حل معضلة الاستبداد.

°- داعية التقنية. ينطلق الكاتب من مسلمة أن الغرب بكل بساطة "قوة مادية، أصلها العمل الموجه المفيد، والعلم التطبيقي".

يستدل داعية التقنية باليابان ويتساءل: لماذا تفوق اليابانيون في فترة قصيرة على أمم كثيرة؟ الجواب: "لأنهم قصدوا إلى سر الحضارة الغربية".

الزعيم السياسي ينتقد الدين، فيما داعية التقنية يلغيه بالمرة. إنه، يقول الكاتب: "لا يحاول تأويله أو تحوير معناه، لأنه لا يرى فيه عاملا فعالا". إنه "لم يستعجم الغرب كما فعل الشيخ، بل يألفه، يتكلم لغته، ويلتزم بمنطقه، فيغيب عن ذهنه رويدا رويدا ماضي العرب وقضاياه".

إن لسان حاله يقول: "حقيقتنا، مستقبلنا، هو التقنية".

بالخلاصة، يعتقد الكاتب أن الشيخ والسياسي وداعية التقنية يمثلون "لحظات ثلاث يمر بها تباعا وعي العرب وهو يحاول منذ نهاية القرن الماضي، إدراك هويته وهوية الغرب".

ما لا يمكن إغفاله بنظر المؤلف، هو "الترابط بين الأدلوجتين، العربية والغربية، أي ما يقوله العرب عن أنفسهم وما يقوله الغرب عن نفسه وعن العرب".

بم يتحدد إيجابا الغرب وسلبيا المجتمع العربي؟ بالمعتقد الديني في نظر الأول، بالتنظيم السياسي في نظر الثاني، بالتقنية في نظر الثالث.

وعليه، فإن المجتمعين، العربي والغربي، "لا يستطيعان التحاور في مرحلة أولى إلا على مستوى الوعي الديني (لنقل البنية الذهنية)، ثم في مرحلة لاحقة على مستوى الوعي السياسي (البنية الاجتماعية)، وأخيرا على مستوى الوعي التقنوي (القاعدة الصناعية المادية)".

ومع ذلك، "لا يرى الغربي في العربي إلا الجانب الديني والمجتمع العربي مجتمع استبداد وإقطاع".

من خلال كل هذه المراحل المنهجية، قارب المؤلف حالة المغرب، ثم علاقة الدولة القومية بالأصالة، ثم العرب والاستمرار التاريخي، ثم العرب والعقل الكوني، ثم العرب والتعبير عن الذات...الخ. وهي كلها محاور يضيق المجال للتوقف عندها في هذه القراءة.

بخلاصة كل ذلك، يؤكد الكاتب على التالي:

°°- أن مفهوم الأصالة لا يستقيم إلا إذا نظرنا إلى الأنا كنتيجة تطور وتراكم.

°°- وأن "الوحدة الذهنية بين البشر لن تتحقق إلا إذا قدمنا من جديد المنهج على المذهب (الأصول على الفروع)".

Vous pouvez partager ce contenu