Aller au contenu principal

"الزحف غير المقدس: تأميم الدولة للدين" لسيف الدين عبد الفتاح

سيف الدين عبد الفتاح، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، 2016، 176 ص.

من الصفحات الأولى، يقر المؤلف بالطبيعة المعقدة الملازمة لهذا البحث، إذ "نحن أمام ظواهر ثلاث وعوامل تمثلها: الدولة، الدين، المواطنة. الدولة المتغير الأساسي، والدين متغير العلاقة والمواطنة وسط لبحث العلاقة...كل واحد منها يعاني من غموض في التطبيق، خاصة حينما يكون مجال الدراسة، مصر".

يقترح الكاتب لذلك قراءة المجتمع كنص: "نص الإدراكات ونص المفاهيم ونص الخطابات ونص السياسات ونص المؤسسات، وأخيرا نص شبكة العلاقات على تنوع مستوياتها وتعدد أطرافها".

ويتساءل: "كيف يمكن فهم: كيف تزحف الدولة على الدين زحفا غير مقدس، محاولة احتكار مساحته أو تلوينها أو تهميش فعالياته؟"

يبدأ الكاتب بتحديد معنى الدين بالقول: "يكون الدين إيمانا بالله يعمر دنيا الناس، وعقيدة تخلق حضارة وعبادة تربي مجتمعا". هو "انطلاق للحياة والسلوك والتشريع، دون أن ينحصر في مجموعة من الكلمات والتقاليد والمظاهر الجامدة المتنافية، التي تضمها الأوراق وتتناولها الشفاه...دين الحياة، دين الواقع".

من هنا، يتابع الكاتب: لا تقبع سمات المؤمنين فوق جباه المصلين في المحارب دون غيرها، بل "تتلألأ في بحوث العلماء وخيرات المنتجين، وجهود المبدعين. إنه الدين الذي يخلق حضارة في كل أرجاء الحياة...إنه فاعلية الفاعلين، وتراكم جهود المجتهدين والمجددين والمصلحين".

بيد أن تحجيم الفاعليات الدينية، تلوينها أو اختصارها، هو "قمة تحريك الدوائر من سلطان الدين إلى دين السلطان".

أما الدولة، عنصر المعادلة الثاني، مكمن السيادة والسلطة، فإنها في "جورها" على المساحات المختلفة، إنما تخشى من أن تخرج فاعليات من تحت يدها أو عن رقابتها وهيمنتها، أو تجنح هذه الفاعليات للزحف على حياض السلطة، فتظهر عناصر قصور هذه الأخيرة في التعامل مع المواطن. لذلك فإن استراتيجيات السلطة في ذلك، قد كانت كالتالي:

°- الهجوم على تسييس الدين "في خطاب مانع لأي قوى تدخل هذا المجال، ومنذرة كل القوى من مغبة توظيف الدين".

°- زحف الدولة على تلك المساحات "فاتحة باب تسييسها من أوسع طريق...(من خلال) اغتصاب مفهوم صحيح الدين، في إطار تأويل ترتضيه السلطة، واغتصاب مفهوم التطبيق ضمن سياسات احتكارية"...هذا ناهيك عن سياسة منع "الأحزاب الدينية" دون تحديد دقيق لماهيتها.

من جهة ثانية، "برزت الدولة وبصورة شديدة الانتقائية، تتعامل مع الدين بالقطعة، ضمن عملية تسييس واسعة، مستخدمة في ذلك سلطة التأويل وسلطة التقييم".

هذه السياسات هي التي يسميها الكاتب ب"الزحف غير المقدس"، بدعوى التنظيم ومنع عملية تسييس الدين، فصارت "عملية التأميم للفاعليات الدينية تتحرك نحو صياغة دين السلطان، في سياق يحدث تآكلات في سلطة الدين".

بعد ذلك، ينتقل المؤلف ليحلل الأوضاع في مصر، فيدفع بطرح مفاده أن الدولة (يقصد السلطة) قد زحفت على "عالم المفاهيم الذي يحتضنه النسق المعرفي الإسلامي". لقد تحركت الدولة بجهة هذا العالم بغرض تأميمه في الممارسة، "حتى غابت معانيه الإسلامية، وبدا المفهوم مصنوعا على أعين السلطة وفق قواعد هي التي تحددها ولربما تحتكرها". لذلك ترى السلطة، يتابع الكاتب، تبتكر طروحات جديدة من قبيل "صحيح الدين" أو "الدين الخالص" أو "الفهم الصحيح للدين".

ويتمثل الزحف أيضا من ناحية أخرى، في مصادرة الدولة لمفهوم البيعة، ثم التوبة ثم الشهادة ثم الدعاء...وهكذا. وهي مفاهيم سلخت، في نظره، من سياقها لتأخذ معاني أخرى، تجاري السلطة في تصورها لها. نفس الشيء فيما يتعلق بمفهوم الجهاد، إذ حولته السلطة إلى إرهاب، وتم التغاضي عنه بخطاب سياسي يتبنى التسامح وثقافة السلام.

كل هذا يدخل ضمن مضمار "زحف التوظيف والتسييس". لا بل يذهب الكاتب أبعد من ذلك عندما يعتبر الفقر أو الإفقار مسا بكرامة الناس وزحفا على الدين أيضا، على الأقل من باب أن الفقر قد يبلغ مراتب الكفر، ومن باب أن الله عز وجل، كرم بني آدم، فأفقرتهم السلطة.

بالسياق ذاته، يعطي الكاتب مثال "العقول المهاجرة" وكيف أن بلدا كمصر لم يستطع "حفزها" والعمل على الإفادة منها...وهذا بنظره، زحف على الدين أيضا، لأن "إهدار الطاقات ليس إلا حالة من الكفران بنعمة الله".

كما يسرد حالات من المعاش اليومي للمواطن وعلاقته بمصالح السلطة، وكيف أنه يهان في كيانه وكرامته. وهذا من باب الزحف غير المقدس على الدين كذلك.

إن الدولة هنا لا تزحف فقط على الدين، إنها تبدي جنوحا منقطع النظير للزحف على معظم الفاعليات المؤسسية والمواطناتية والإنسانية، ناهيك عن الزحف المباشر من خلال ممارستاتها السياسية والاقتصادية والثقافية، المادية منها كما المعنوية على حد سواء.

إنها استراتيجيات فرعية، يقول الكاتب، لكنها "ولدت من رحم استراتيجية أساسية في عملية اغتصاب، احتكار، تأميم، استيلاء، طغيان على كل الفاعليات".

لذلك، يلاحظ الكاتب بالنهاية، أن الزحف على الدين في مصر مثلا، لم يأت من نقد مباشر للإسلام أو محاربته كعقيدة...إنما جرى ذلك "بتغيير الأوضاع الاجتماعية وأنماط العلاقات بين الناس، بطريقة جعلها قائمة على تعارض مع تصورات الشريعة الإسلامية وأحكامها...ولم يجر ذلك بالإقناع وتبادل الرأي، ولكنه جرى بالترويج والدعاية والإغراء وإثارة نوازع التقليد والمحاكاة".

ويختم بالقول: "إن هذا الزحف الخفي كان أهم أنواع الزحف، ومثلت أنواع الزحف الأخرى تكريسا له على الأرض".

Vous pouvez partager ce contenu