محمد مصباح، مركز الجزيرة للدراسات، الدوحة، 2021، 212 ص.
لم تكن ولادة التيار الجهادي في المغرب، منتصف التسعينات، مجرد صدفة، بل هي مرتبطة أساسا بديناميات داخلية وخارجية معقدة. العنصر الرئيس "مرتبط بالانقسام الذي حصل داخل التيار السلفي بعد سماح المملكة العربية السعودية للقوات الأميركية بالدخول لأراضيها، بعد اجتياح نظام صدام حسين للكويت، سنة 1992. أيد التيار السلفي الأكثر هدوءا الموقف الرسمي السعودي، في حين عارض تيار آخر من السلفيين التدخل الأميركي، واعتبر القرار السعودي قبول دخول قوات غربية للجزيرة
العربية مخالفة شرعية".
أما السياق الداخلي لنشأة التيار السلفي الجهادي بالمغرب فيمكن فهمه من خلال عدة عناصر، لعل أهمها "البيئة السياسية التي ميزت المغرب خلال سنوات التسعينات، والتي تميزت بتحولات اجتماعية عميقة يقابلها عجز الدولة عن التكيف مع نتائج هذه التحولات".
وقد تميزت تلك المرحلة أيضا برجوع المقاتلين المغاربة من بؤر التوتر في أفغانستان والشيشان والبوسنة، ومحاولة محاكاة تجارب مشابهة في دول إسلامية أخرى مثل مصر والسعودية في فترة السبعينات، إضافة إلى تأسيس الإمارة الإسلامية في أفغانستان منتصف التسعينات التي شكلت نموذجا ملهما لعدد من الشباب.
وقد بنى التيار الجهادي سرديته على نقد أطروحات غرمائه من الحركات الإسلامية، لا سيما العدل والإحسان، المتهمة بالتصوف والبدع، ثم حركة التوحيد والإصلاح، ثم التيار السلفي التقليدي. أما حزب العدالة والتنمية وذراعه الدعوية، حركة التوحيد والإصلاح، فكانوا ينظرون إليها كحركة إخوانية، ونموذج للتغيير السياسي السلمي من داخل المؤسسات الذي كانوا يعتبرونه "خيارا مهادنا للسلطة وغير فعال في التغيير".
في ظل هذه البيئة السياسية، ظهر شيوخ تيار السلفية الجهادية، والمتبنية للعناصر التالية: التوحيد، والجهاد، والتكفير، والولاء والبراء، والحاكمية. فبرز اسم محمد الفيزازي وعمر الحدوشي وعبد الكريم الشاذلي وحسن الكتاني وأبو حفص وزكريا الميلودي وغيرهم.
ويركز التيار التكفيري في مرحلته الأولى على "العمل الدعوي السري والإعداد للقوة الموضوعية التي من خلالها يقوم بتغيير الواقع. والتغيير حسب التيار التكفيري يتم من خلال ثلاثة مستويات: تكوين الفرد المسلم، ثم الجماعة المسلمة، وأخيرا الدولة المسلمة".
المجتمع السائد في نظرهم، ليس بمجتمع مسلم، وإنما هو "مليء بمظاهر الشرك، والتي تبرز من خلال عدة أمور كعبادة الأضرحة وغيرها، وحتى أفراد المجتمع هم مشركون، فمثل أئمة المساجد هم أصل مبتعدون عن الدين ونحن لا نعرف حقيقة عقيدتهم، وبالتالي نحن لا نصلي خلفهم ولا نصلي في المسجد أصلا حتى صلاة الجمعة، مع العلم بأنها واجبة". من هنا، يعمل تيار التكفير والهجرة بمبدأ المفاصلة الشاملة للمجتمع ومقاطعة مؤسساته مقاطعة شاملة، فيرفضون مخالطة الناس ويعتبرون كل المؤسسات من خارج "جماعة المسلمين" جاهلية، وبالتالي يمنع أعضاء الجماعة من التعامل معها.
ولتقوية اللحمة الداخلية وبناء الولاء المطلق، تم اعتماد نظام البيعة لزعيم المجموعة التي تعتبر بمنزلة تعاقد بين العضو وبين أمير الجماعة، بحيث يترتب على ترك العضو للجماعة إخراجه من الدين وتكفيره، وهذا يعتبر سببا كافيا لتصفيته جسديا بسبب خروجه عن الجماعة.
ويؤمن التكفيريون في المغرب بأن الوقت لم يحن بعد لإعلان القتال ضد النظام نظرا لعدم توافر الشروط الموضوعية لذلك. فرغم اقتناعهم بأن "الجهاد هو مسألة شرعية لا يمكن لأحد نفيها ونحن نؤمن به، إلا أنه في نظرهم مسألة لها قواعدها، أهمها أن قيادة الجهاد يقوم بها ولي أمر المسلمين"، وهو غير موجود لحد الساعة.
كانت لتفجيرات 11 سبتمبر/أيلول 2001 نتائج مباشرة على التيار الجهادي بالمغرب. فقد كانت بمنزلة شهادة الولادة الرسمية لهذا التيار. فخلال تلك الفترة "ارتفعت أسهم شيوخ التيار السلفي الجهادي نتيجة تعبيرهم الصريح عن أفكارهم المؤيدة للقاعدة ولأسامة بن لادن. لقد كانت مشاعر التشفي والعداء والحقد نحو سياسات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، مختلطة مع مشاعر النصر والفخر بنموذج القاعدة
الذي مرغ أنف أميركا في التراب وضربها في عقر دارها".
أما تفجيرات الدار البيضاء، فقد اجتمعت فيها أربعة عناصر: الإقصاء الاقتصادي والاجتماعي لفئة الشباب، غياب البديل للخروج من وضعية التهميش، نشوء تيار سلفي جهادي في تلك المناطق، ثم مناخ سياسي دولي مناهض للهيمنة الأميركية وسياساتها.
لم يكن منفذو تفجيرات الدار البيضاء منحدرين من الأحياء الراقية للدار البيضاء، بل كانوا ينحدرون كلهم من منطقة حي سيدي مومن الهامشي، وبالضبط كاريان حي صفيحي طوما ودوار السكويلة اللذين كانا مسرحا لعمليات التحضير العملياتي. ثم إنهم يشتركون في طبيعة الأنشطة الاقتصادية التي كانوا يزاولونها. فقد كانوا إما عاطلين عن العمل، أو يشتغلون في مهن هشة كحارس ليلي، أو حلاق. في حين لم يوجد منهم أي واحد ينتمي إلى فئة الموظفين أو لديه منصب شغل قار.
وكردِ فعل على هذه الأحداث، انخرطت الدولة في حملة شاملة ل"مكافحة الإرهاب" عبر تبني سياسات أمنية متشددة أظهرت حالة من الارتباك في أجهزة الدولة فباعتبار أنها المرة الأولى التي يتعرض فيها المغرب لهجمات إرهابية بذلك الحجم.
بالإضافة إلى اعتماد المقاربة الأمنية، قامت السلطات المغربية بإعادة صياغة استراتيجيتها الدينية لمواجهة التحديات المفترضة التي بات يفرضها ما يسمى ب"التهديدات الإرهابية" والعمل على تجفيف منابع التطرف وتضييق الخناق على المحاضن التي تشكل بيئة مواتية للتطرف. وقد اعتمدت سياسة الدولة على مقاربة متعددة المستويات على الأصعدة الاقتصادية والسياسية والأمنية.
وقد تجسدت السياسة الدينية الجديدة للدولة في تبني مشروع تأطيري واسع أُطلق عليه "مشروع إعادة هيكلة الحقل الديني"، سنة 2004 ، بهدف "مأسسة هذا المجال وضمه لمجال نفوذ الدولة وسيطرتها، ونتج عنه عملية ضبط شاملة للحقل الديني واحتكار التدخل فيه من خلال تقنين مؤسسة العلماء وتشجيع الزوايا الصوفية، وأيضا من خلال محاولة مواكبة التطور الذي عرفه العالم المعاصر عبر إدماج الدولة للخطاب الديني في وسائل الإعلام، مثل إنتاج برامج دينية خلال بعض المناسبات الخاصة، مثل الدروس الحسنية أو تأسيس قناة السادسة وإذاعة محمد السادس للقرآن الكريم".
مسار المركزة والضبط هذا تم عبر مسار مؤسساتي تمثل في توحيد الخطاب الديني في مضمونه وفي توحيد إصدار الفتوى. والهدف من عملية التوحيد تلك هو "ضبط مصادر إنتاج المعرفة الدينية والتأطير الديني، عبر تأميم المساجد وفضاءات ودور العبادة والتعليم الديني، وهو اختيار يسعى إلى توسيع حدود تدخل المؤسسات الرسمية والحد من نفوذ الفاعلين غير المؤسساتيين في المجال الديني".
صحيح أن المقاربة الحالية التي تعتمد على القمع، كانت فعالة على المدى القريب، لكن يبدو أنها "لم تستطع تجفيف منابع التطرف، بحيث لا تزال الظروف الموضوعية التي أنتجت ظاهرة التطرف هي نفسها لاسيما التهميش الاقتصادي والاجتماعي وحالة الاختناق السياسي".
نافذة "قرأت لكم"
6 غشت 2026