Aller au contenu principal

"النخبة الإسرائيلية الجديدة: دراسة في أثر صعود التيار الديني على مراكز صنع القرار"

صالح النعامي، مركز الجزيرة للدراسات، 2020، 126 ص.

ببداية هذه الدراسة، يقول الكاتب: "إن أحد التحولات التي يفترض أن تترك آثارا كبيرة على اتجاهات عملية صنع القرار في إسرائيل، وتحديدا في كل ما يتعلق بالعالم العربي والقضية الفلسطينية، يتمثل في أنماط واتجاهات التحول على واقع النخبة التي تؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر، على عملية صنع القرار في الدولة وعلى توجهات المجتمع الإسرائيلي". إذ حتى مطلع ثمانينات القرن الماضي، كان العلمانيون من أصول غربية هم الذين يهيمنون على النخب السياسية، والعسكرية، والإعلامية، والقضائية، والأكاديمية في إسرائيل.

ومنذ ذلك الوقت، حدث تحول جذري كان له تأثير كبير على اتجاهات تشكل النخبة في إسرائيل: صعود أتباع التيار الديني القومي. ينقسم اليهود في إسرائيل من حيث العلاقة بالدين إلى أربع فئات رئيسة، وهي العلمانيون، وهم الفئة الأقل ارتباطا بالدين، التقليديون وهم الفئة التي تحافظ بشكل انتقائي على بعض الشعائر الدينية وتتجاهل الأخرى، الأغلبية الساحقة منهم هم من اليهود الذين هاجروا أو هاجرت عائلاتهم من الدول العربية. المتدينون القوميون وهم فئة ترى نفسها "ملزمة بالحفاظ على أحكام الشريعة والتقاليد اليهودية، وفي الوقت ذاته تؤيد الحركة الصهيونية والاندماج النشط في الدولة والمجتمع والجيش الإسرائيلي"، ثم التيار الحريدي، أي التيار الديني الصهيوني الذي يعمل على تحقيق هدفين أساسيين: الحفاظ على الهوية اليهودية للدولة، وتهويد الأراضي الفلسطينية المحتلة.

يلاحظ الكاتب أنه "على الرغم من أنه شارك في الانتخابات التشريعية وحافظ على تمثيل دائم في البرلمان، إلا أنه حتى مطلع ثمانينات القرن الماضي، ظل يرفض المشاركة في الائتلافات الحاكمة. ويرفض هذا التيار أن يؤدي أتباعه الخدمة العسكرية بدعوى التفرغ لدراسة الدين".

انطلقت الحركة الصهيونية أواخر القرن التاسع عشر في أوروبا وروسيا، على أيدي قيادات يهودية علمانية، للمطالبة بتدشين وطن قومي لليهود في فلسطين، من خلال دفع اليهود للهجرة إلى هناك وبناء مستوطنات وتشكيل مؤسسات تمثل نواة لهذا "الوطن". وقد عمد مؤسسو ورواد الحركة الصهيونية من العلمانيين إلى "تحدي الإرث الديني اليهودي، الذي رأى في وجود اليهود في الشتات بمنزلة تكفير عن ذنوبهم، وأن عودتهم رهينة بعودة المخلص المنتظر".

وقد كان العلمانيون الغربيون هم عماد موجات الهجرة اليهودية المنظمة إلى فلسطين مطلع القرن العشرين، مما مكنهم، "ليس فقط من قيادة المؤسسات السياسية والعسكرية الصهيونية التي دشنت في فلسطين قبل الإعلان عن إسرائيل في الخامس عشر من مايو 1948، بل إنهم مثلوا أيضا عماد المؤسسات الحزبية، والتعليمية، والثقافية".

ويلاحظ الكاتب أيضا أن أتباع التيار الديني الحريدي لم يهاجروا من أوروبا إلى فلسطين إلا في أعقاب الحرب العالمية الثانية، "بسبب ما تعرض له اليهود هناك على أيدي النازية، حيث إن مرجعيات هذا التيار لم تغير موقفها الفقهي من الفكرة الصهيونية، ولكنها تعاملت مع إسرائيل من باب الأمر الواقع".

ويضيف بأنه "عندما خططت قيادة الحركة الصهيونية لإقامة كيان سياسي لليهود على أرض فلسطين، كانت تضع في حسابها الاعتماد في ذلك فقط على اليهود المهاجرين من الغرب، حيث رغبت هذه القيادة التي ولدت وترعرعت في الغرب، في إقامة كيان على النسق الأوروبي، لذا فإنه حتى نشوب الحرب العالمية الثانية، لم تقم الحركة الصهيونية بأي جهد لتهجير اليهود الذين كانوا يقطنون البلدان العربية والإسلامية".

عندما هاجر اليهود الشرقيون من الدول العربية والإسلامية لإسرائيل، احتلوا ذيل السلم الاجتماعي، حيث إن "قدرتهم على منافسة الغربيين على مواطن التأثير والوظائف، كانت متدنية لافتقارهم للمؤهلات العلمية والأكاديمية والخبرات التقنية، ناهيك عن أن منطلقاتهم الثقافية قلصت من قدرتهم على الاندماج في المجتمع الجديد". بن غوريون نفسه، اعتبر أن جلب مئات الآلاف من اليهود المهاجرين من الدول العربية والإسلامية، يعني نقل أنماط حياة ثقافية واجتماعية مختلفة تماما عن الأنماط الغربية التي خططت الحركة الصهيونية لصبغ حياة الكيان الجديد بها. ثم إنه خشي من أن تؤدي التباينات الثقافية والاجتماعية إلى حالة من الاستقطاب والصراع الإثني بين الشرقيين والغربيين.

لقد أسهم نهج النخب العلمانية الغربية التي أسست إسرائيل، وتعاقبت على حكمها حتى العام 1977، "والقائم على ترسيخ انعدام المساواة على أسس عرقية، في دفع الشرقيين بعد ثلاثة عقود من الإعلان عن الكيان الصهيوني، للتمرد على استراتيجية بوتقة الصهر التي اعتمدتها القيادة العلمانية الغربية في التأثير على اليهود الذين هاجروا من الدول العربية والإسلامية ثقافيا، ومحاولة دفعهم لتبني أنماط الثقافة الغربية".

بيد أن القيادة العلمانية الغربية لحزب الليكود أدركت تدريجيا أنه بدون الشرقيين، فإن الحزب واليمين بشكل عام، "سيعود إلى مقاعد المعارضة، التي ظل متمترسا فيها على مدى ثلاثة عقود، مما جعل قيادة الليكود تحرص في البداية على تطعيم قوائمها في الانتخابات التشريعية بشرقيين، ثم بات الشرقيون مكونا مهما في كتلة الليكود النيابية". وقد اضطرت هذه التحولات حزب العمل أن يفتح الطريق أيضا أمام النخب الشرقية للصعود ضمن صفوفه، في مسعى لمنافسة الليكود.

في مطلع ثمانينات القرن الماضي، تشكلت حركة شاس الشرقية، التي على الرغم من انتمائها للتيار الديني الحريدي، إلا أنها كانت حركة قطاعية، احتكرت دعم قطاعات واسعة من الشرقيين، سواء كانوا متدينين أو تقليديين. ومنذ العام 1984، حافظت الحركة على التمثيل في البرلمان، وشاركت في معظم الائتلافات الحاكمة التي تشكلت منذ ذلك الوقت.وقد لعبت التحولات الثقافية دورا مهما في توفير بيئة سمحت "بتعاظم تأثير أتباع التيارات الدينية في إسرائيل، وبشكل خاص التيار الديني القومي. فقد شهدت العقود الثلاثة الأخيرة، تعاظم ظاهرة تحول المزيد من العلمانيين للتدين، حيث إن قطاعات واسعة من اليهود باتت ترى في مظاهر التدين علامة ثقافية قومية مميزة، وهو ما يمكن وصفه ب الثقافة الجديدة التي يعكسها اتساع دائرة ممارسة الطقوس الدينية والتوجه للكنس والتعلق بالتراث الديني. فقد رأت التيارات الدينية في العولمة، وإسقاطاتها الثقافية تحديدا، تهديدا للتراث الديني والهوية الثقافية اليهودية، مما أضفى شرعية على دعواتها للمحافظة على الهويةاليهودية، وهو ما أضاف المزيد من الوقود في ماكينة هذه التيارات والحركات السياسية التابعة لها".

هذه الانقسامات يمكن ملاحظتها على مستوى التعليم أيضا: التيار العام، الذي عادة ما يستوعب العلمانيين، والتيار الديني الرسمي، الذي يستوعب أتباع التيار الديني القومي. لكن بخلاف واقع التعليم في التيار العام، الذي يديره العلمانيون، فإن تيار التعليم الديني الرسمي يحظى باستقلالية تامة، من حيث تحديد المناهج ومضامينها وواقع الإدارة فيها، حيث تشرف عليه نخب دينية ذات توجهات أيديولوجية.

من ناحية أخرى، وجد اليمين العلماني في دعم المشروع الاستيطاني في الأراضي المحتلة، جزءا مهما من أجندته السياسية والأيديولوجية، وهذا ما دفعه إلى "دعم وإسناد قادة التيار الديني القومي الشباب، الذين

كانوا وراء هذا المشروع، ومما عزز من مكانة قادة التيار الديني القومي الشباب كجزء مهم من النخبة

الإسرائيلية، توليهم قيادة المجالس المحلية في المستوطنات اليهودية، إلى جانب انخراطهم في إطار يمثل المستوطنات أطلق عليه مجلس مستوطنات في الضفة الغربية"، وهو المجلس الذي بات يلعب الدور الأبرز في تحديد اتجاهات السياسة الإسرائيلية في الضفة الغربية. من هنا، فقد لعب تراجع العلمانية كنمط حياة وتوجه ثقافي وأيديولوجي، دورا مهما في توفير بيئة ساعدت على صعود أتباع التيار الديني كمركب أساس من مركبات النخبة الإسرائيلية. وتدل المؤشرات على أن تمثيل التيار الديني في النخبة السياسية سيتعاظم في المستقبل بسبب تعاظم وتيرة نموه الديمغرافي.

لقد برزت في إسرائيل ظاهرة قلما تحدث في أي كيان سياسي آخر، حيث "بادر أتباع التيار الديني القومي في العقد الأخير لاختراق الأحزاب العلمانية، وتحديدا حزب الليكود الحاكم، الذي يعتبر أكبر الأحزاب العلمانية، والذي تتوقع استطلاعات الرأي العام أن يواصل حكم إسرائيل لفترة طويلة في ظل انهيار اليسار وتراجع الوسط بشكل كبير". ثم إن اندفاع المتدينين صوب المواقع القيادية في الجيش، يأتي ضمن مخطط أوسع للسيطرة على الدولة.

ومنذ مطلع ثمانينات القرن الماضي، باتت المرجعيات الدينية والحاخامات بشكل عام يشكلون جزءا مهما ومؤثرا من النخبة الإسرائيلية، بسبب تعاظم تأثيرهم على أنماط الحياة المجتمعية وعلى اتجاهات الرأي العام ودوائر صنع القرار في إسرائيل. كما تلعب الحاخامية العسكرية دورا كبيرا على مستوى تقديم الخدمات الدينية لضباط وجنود الجيش، إلى جانب أن الحاخامات العسكريين يلعبون دورا رئيسيا في توجيه تعبئة الجنود وبث الروح القتالية فيهم عشية وأثناء الحروب والحملات العسكرية من خلال توظيف المصادر الدينية. ومن الأمثلة التي تعكس خطورة دور الحاخامية العسكرية في توجيه الضباط والجنود، هي إعلان الحاخام العسكري الأكبر للجيش، الجنرال إيلي كريم، أن التوراة تبيح للجنود اليهود اغتصاب نساء العدو أثناء الحروب.

ومن خلال تعاظم تمثيل التيار الديني القومي في النخبة السياسية والعسكرية، فإن فرص التوصل لتسوية سياسية للصراع مع الفلسطينيين قد تقلصت إلى حد كبير، على اعتبار أن هذا التيار "يتبنى مواقف متطرفة إزاء سبل التعاطي مع الصراع استنادا إلى معتقدات دينية وفقهية. إلى جانب ذلك، فإن زيادة تمثيل التيار الديني القومي في النخبة الدينية والإعلامية والأكاديمية والقضائية والثقافية، يزيد من قدرته على التأثير على توجهات الرأي العام الإسرائيلي، بشكل يعزز من فرص تجسيد منطلقاته الأيديولوجية من الصراع وتصوراته إزاء العلاقة بين الدين والدولة".

 

نافذة "قرأت لكم"

25 يونيو 2026

Vous pouvez partager ce contenu