علي أومليل، المركز الثقافي العربي، بيروت/الدار البيضاء، 2005، 164 ص.
يلاحظ الكاتب ببداية هذه الدراسة، أن ثورة تكنولوجيا الإعلام والاتصال قد جعلت من الثقافة بضاعة معولمة، تتحكم في إنتاجها وتسويقها شركات دولية عملاقة. تقف الثقافة العربية في هذا السياق ضمن معادلة معقدة. فهي محكومة بأصولية إسلامية تختزل هذه الثقافة في الدين، والدين في عقائد متشددة، ثم أصولية غربية تعتقد أنها هي التي تملك مفاتيح الحداثة، وهي التي أقامت اقتصاد السوق وفسحت المجال في تجذر الليبيرالية.
ويتساءل: "ما هي قيمنا الثقافية القابلة للتبادل في سوق القيم، ومكونة لعقلية حداثية ولهوية ليست من ماض ولى، بل جواز سفر لدخول آفاق المستقبل؟...كيف تبنى منظومة قيم تحفز إلى المبادرة والابتكار والإقبال على العمل المنتج وأخلاقياته، وضبط الوقت كنظام للحياة والإنتاج وتخطيط المستقبل؟".
الثقافة في نظر الكاتب، مستويات: مستوى أنتروبولوجي حيث الثقافة تراث وتقاليد وقيم تطبع الوجدان، ثم مستوى تكون الثقافة فيه شأن نخبة تتداول فيما بينها ثقافة عالمية.
في ظل هذين المستويين، يعمل التعليم على تعميق الهوة بين الذي يعرف والذي لا يعرف. إنه يجدد "التفاوت الاجتماعي والتوارث الطبقي للسلطة والثروة". هذا التعليم بلغ المدارس ووصل لحد الجامعات، حيث بات التكوين محليا والشهادات محلية لا علاقة لها بما يدور في مراكز البحوث والجامعات الأجنبية، والأساتذة يعتمدون في ثقافتهم وتدريسهم على "مترجمات تفتقد في غالبيتها الدقة، لأن معرفتهم باللغات الأجنبية أصبحت تقريبية، والكثير منهم لا يعرفونها إطلاقا".
كيف تصنع الثقافة التنمية؟ يتساءل الكاتب. ينطلق هنا من تحديد ماكس فيبر، وكيف يرى هذا الأخير أن القيم الثقافية هي التي تحدد نوع ومستوى النشاط الاقتصادي. الرأسمالية بالتالي، هي التي خلقت اقتصاد السوق والثروة، وذلك بفضل القيم الثقافية التي أفرزتها البروتستانتية، وهي نفس القيم التي أسست العقلانية الاقتصادية والحداثة الديموقراطية. الحداثة هنا هي: اقتصاد السوق ثم الديموقراطية. ما كان لهذين الرافدين أن يريا النور لولا القيم الثقافية.
الثقافة هي المحدد الحاسم للاقتصاد عند فيبر، عوض المحدد المادي الذي دفع به ماركس. وقد قارن فيبر بين الحضارات، فتبين له ألا واحدة منها بلغت العقلانية والحداثة العقلانية التي من شأنها التأسيس للرأسمالية والديموقراطية.
إنها حضارات لا تضم قيما تساعد على إفراز اقتصاد السوق أو الديموقراطية. وهذا بالضبط ما سار عليه فوكوياما مع بعض التعديلات. الغرب يدافع عن نفسه يقول الكاتب. ومع ذلك، اعتمدت العديد من البلدان غير الغربية هذا النمط. إنه يدافع عن نفسه لمواجهة تحدي ديموغرافي ضاغط، وتحدي اقتصادي لا يقل عنه ضغطا، لا سيما بعدما أثبتت البلدان الآسيوية أنه بمقدورها بناء اقتصادات متقدمة بالارتكاز على قيمها وثقافتها: أسبقية الروح الجماعية، النظام، التضامن العائلي، احترام السلطة والتراتبية في الدولة وفي المجتمع. كل ذلك مقابل الفردانية الغربية.
بيد أن عالمنا العربي لم يلتقط الرسالة كما ينبغي. فالليبرالية عنده هي الانتفاع الشخصي، والدولة الاجتماعية غير ذات جدوى، والحرية النقابية مضرة بالاستثمار...وهكذا.
إن الليبرالية العربية تريد حرية في المبادرة الاقتصادية، لكن دون منظومة للحريات. لذلك، يطالب المؤلف بليبيرالية تدافع عن دولة القانون الذي يضمن الحريات الشخصية والعامة، لأن مثل هذه الدولة ضروري أيضا حتى لوجود نشاط اقتصادي تضمن فيه سيادة القانون والشفافية والمحاسبة والمنافسة الواضحة.
إن قوة الغرب لم تتأت له من قيمه فحسب، بل أيضا من فائض القيمة التاريخي الذي اكتسب من استعماره لبقية العالم.
إن المطلوب في نظر الكاتب، هو أن نجعل من الثقافة رافدا من روافد التراكم والإنتاج والإبداع. وهذه مهمة المثقفين قبل أن تكون مهمة غيرهم.
نافذة "قرأت لكم"
28 ماي 2026