تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"دور إيران في محددات التوازن الاستراتيجي في الشرق الأوسط: البرنامج النووي أنموذجا"

أسعد كاظم شبيب، مقدام عبد الحسن الفياض، مركز الرافدين للحوار، بيروت/النجف، 2025، 191 ص.

 

يتساءل البحث في البداية، ويقول: "ما حدود دور إيران في معادلات التوازن الاستراتيجي، كونها قوة إقليمية تسعى لتثبيت نفوذها في منطقة مضطربة، لاسيما بعد تهديدات كيان الاحتلال الإسرائيلي بتغيير الشرق الأوسط، وما سبل إدارة التوازنات بين القوى الكبرى الفاعلة في المنطقة؟ ما مستقبل البرنامج النووي الإيراني، وما إذا كان سيبقى أداة للردع بعد الهجمات الامريكية والكيان الاسرائيلي المحتل ضد الجمهورية الإسلامية في إيران؟".

 

إيران ترى، من الناحية العقائدية، في الإدارات الامريكية دولة مستعمرة «شيطانية »، بينما ترى امريكا الليبرالية  في النظام الإسلامي ذو الايديولوجية الثورية خطرا كبيرا على استراتيجية أمنها القومي وسياستها الخارجية تجاه المنطقة، مع أنها كانت في عهد نظام الشاه العلماني، توصف بشرطي الخليج لرعايتها للمصالح الامريكية وتحالفها الثابت معها.

 

فيما يتعلق ببرنامج إيران النووي، يحسم البحث في القول: هذا الامر هو مسألة استراتيجية بامتياز، وهو حق مشروع لإيران واستراتيجية مستدامة، تؤمّن أمنها القومي وطموحها الاستراتيجي لفرض هيبتها ومكانتها في المنطقة.

 

بيد أن الادراك الامريكي يعد إيران مصدرا دائما للتهديد، نظرا لكون إيران تتميز بموارد عظيمة وشعب كبير ومواقف صلبة. أميركا تعتبرها داعما للإرهاب، لأنها تساند حزب الله اللبناني وحركة حماس الفلسطينية، اللذان يستندان على عقيدة دينية محورها الجهاد ضد إسرائيل.

 

 بيد أن برنامج إيران النووي هو محور الصراع، إذ تتهم واشنطن إيران بسعيها لامتلاك السلاح النووي، في حين تؤكد الاخيرة ان برنامجها للأغراض السلمية وهو حق مشروع وفق معاهدة منع انتشار الاسلحة النووية.

 

لقد كانت إيران متحرزة من الولايات المتحدة، منذ انتصار الثورة الإسلامية في 1979، ولكن أيضا وبالتحديد منذ احتلال العراق.

 

إيران ليست دولة ديموقراطية بالمعنى المتعارف عليه، لكن النظام القائم يعتمد إلى حد كبير على النقاشات الداخلية والعامة في سياق عملية التوافق. إنه يملك بعض مقومات الديمقراطية بما فيها الاعتماد على العمليات الانتخابية لإشغال المناصب في الجهازين التنفيذي والتشريعي وتساعد الانتخابات النظام في الحصول على تأييد من قبل الجمهور العام وشرعنته في الداخل والخارج، ومن هذا المنطلق فإن الرأي العام مهم في إيران ويساعد في تشكيل السياسات إلى حد بعيد.

 

ولعل مواقف معظم التيارات السياسية قد أثرت في البرنامج النووي الإيراني وعلى المفاوضات مع الدول الغربية. "فالتيار التقليدي المحافظ يؤيد الاكتفاء الذاتي الاقتصادي ومقاومة الامبريالية الغربية، بينما يدعم بشكل ثابت هيمنة المؤسسة الدينية على المجتمع، وهذا التيار هو الاشد وثاقة بالمرشد، أما المبدئيون الذين يحسبون على التيار المحافظ، فيميلون إلى الترويج للاكتفاء الذاتي وسياسة خارجية ثورية". ويشكل جهاز الحرس الثوري والمحاربين القدامى كتلة مهمة من معسكر المبدئيين، ويتوجس هؤلاء والمحافظون التقليديون من التعامل مع منظمة الطاقة الذرية ويعتقدون ان الانفتاح على الغرب خطير للبلد.

 

لذلك نجد إن السلوك السياسي الخارجي ازاء قضية معنية متباين، وهذا ما انعكس بدوره على الملف النووي الإيراني. إلا ان المجلس الاعلى للأمن القومي مصمم لتبسيط هذه العملية ولإضفاء الطابع الرسمي عليها إلى حد ما، ومساعدة المرشد الاعلى على صياغة الخطوط الحمراء الخاصة بالأمن القومي والسياسية الخارجية.

 

فالمرشد الاعلى هو صاحب القرار النهائي، لكنه لا يستطيع بمفرده املاء سياسات إيران الخارجية، "فقد اضطر لترأس اجتماع بين التيارات الإيرانية والهيئات الصانعة للقرارات التي تتكون من شبكات رسمية من افراد يتشاطرون رؤية مشتركة أو مختلفة للعالم، مبنية على مجموعة معقدة من الروابط السياسية والاقتصادية والعسكرية. وأكد المرشد الأعلى على ان مصلحة النظام هي البوصلة التي تحكم تفاعل التيارات السياسية في إيران، وكانت السبب الأبرز بقبول التفاوض مع الولايات المتحدة بعد ان كان يصف التصريحات الامريكية والمتضمنة الرغبة في التفاوض بانها لا تعدو ان تكون خدعة".

 

ولعل أهم ما حققته المرونة التكتيكية في صنع القرار، انها ادخلت مفهوم تخصيب اليورانيوم في ادبيات التخاطب والحوار مع الولايات المتحدة الاميركية فيما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، وهذا يعني ان التخصيب سيكون جزءا مهما في الاتفاق النهائي الذي يضمن حصول إيران على برنامج نووي سلمي.

 

أما البرنامج الصاروخي الذي تعده إيران حقا دفاعيا، فلا أحد يملك أن يعترض عليه أو يناقشه، ولذلك فإنها لن تقدّم تنازلات اخرى بخصوصه تتجاوز تلك المتفق عليها في عام 2015 والتي تشير إلى ان إيران ستمتنع عن صنع صواريخ قادرة على حمل رؤوس نووية كبادرة حسن نية فقط، أما القدرات الدفاعية الإيرانية فهي غير قابلة للتفاوض.

 

إن إيران لا تخفي أنها تسعى لترسيخ نفسها كقوة إقليمية رئيسية عبر شبكة من الحلفاء والوكلاء في العراق ولبنان واليمن وسوريا قبل سقوط نظام بشار الأسد أواخر 2024. لكن الولايات المتحدة تعمل على احتواء هذا النفوذ عبر تحالفاتها الإقليمية والعقوبات الاقتصادية والحضور العسكري المباشر. ورغم العقوبات المشددة، لم يتغير سلوك إيران بشكل جذري فيما يتعلق ببرنامجها النووي أو تدخلاتها الإقليمية بل استمرت في تحدي الولايات المتحدة وحلفائها.

 

إن إيران تتبنى سياسة "الصبر الاستراتيجي"، التي تقوم على تحمل الضغوط الاقتصادية والسياسية دون تقديم تنازلات جوهرية، مع التركيز على تعزيز الاقتصاد المقاوم.

 

إذا نجحت إيران في حماية أجهزة الطرد المركزي واليورانيوم المخصب وقدرتها على إعادة تشغيل المرافق تحت الأرض، فقد تستأنف عملها خلال عدة أشهر. ولعل استمرار العمل باستخدام مراكز سرية حديثة تحت الأرض، أكبر دليل على ذلك. لأكن، يخشى أن تعزز الضربة الامريكية من نية إيران لتطوير قنبلة نووية كرد فعل دفاعي قد تدمر الضربات بعض المنشآت، لكن إيران قد ترد بتسريع التخصيب بنسب أعلى من 90 % سرا. أما مطلب «التفكيك الكامل» للبرنامج النووي الإيراني، فهو غير واقعي وقد يؤدي إلى مواجهة عسكرية مكلفة وغير مضمونة النتائج.

 

ويخشى أيضا أن تتحول الحرب وتصبح مواجهة شاملة، لا سيما مع اصرار إدارة الرئيس دونالد ترامب على مطالبها بتفكيك البنية التحتية النووية الإيرانية بشكل كامل، ووقف تخصيب اليورانيوم، ووقف دعمها للجماعات الإقليمية، معتبرةً إياها شروطاً أساسية لرفع العقوبات.

 

وقد يذهب الطرفان لحل وسط، فيتفقان على تحديد سقف التخصيب مثلا، بما يسمح بالاستخدامات المدنية فقط، أو تقليص عدد أجهزة الطرد المركزي أو تعزيز الرقابة الدولية...الخ.

 

إن إيران تلح على التخصيب، والرئيس ترامب يلح على ضرورة وقفه تماما أو تقييده بشدة. بين هذا وذاك، تبقى إسرائيل تراقب وتتابع...وتهدد.

 

نافذة "قرأت لكم"

20 غشت 2026

يمكنكم مشاركة هذا المقال