راغب السرجاني، دار أقلام للنشر والتوزيع والترجمة، القاهرة، 2011، 153 ص.
بمقدمة هذا الكتاب، يقول المؤلف: "إن القضية ليست قضية قوم يعيشون في بلد من البلاد لها بعض المشاكل مع الدول المجاورة، إنما للقضية جذور عقائدية وفقهية وتاريخية لا بد من العودة إليها".
يلاحظ المؤلف بداية، أن القول بأن الشيعة هم الذين تشيعوا لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، في خلافه مع معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما، ليس قولا دقيقا. بما معناه أن أتباع علي هم الشيعة وأتباع معاوية هم السنة. هذا خلاف كل يراه وفق مقياسه، تماما كما أن الأفكار والعقائد التي يقول بها الشيعة لم تكن دائما من أفكار ومبادئ علي بن أبي طالب.
ولذلك، "فلا يصح أن يقال إن بداية الشيعة كانت في هذا الزمن". وثمة من يقول بأن بداية الشيعة بدأت بعد استشهاد الحسين رضي الله عنه.
أيا يكن الرأي، فالمرجح أن "نشأة هذه الفرقة لم تكن تعني إلا نشوء فرقة سياسية تعترض على الحكم الأموي، وتناصر فكرة الخروج عليه". لم تكن الفرقة بداية صاحبة مبادئ عقائدية أو مذاهب فقهية مختلفة عن أهل السنة، بل إن "القادة الأوائل الذين يزعم الشيعة أنهم الأئمة الشيعية الأوائل ما هم إلا رجال من السنة، يتكلمون بكل عقائد ومبادئ السنة".
يلاحظ الكاتب هنا أن الاختلاف ليس عقائديا، إذ يرى "الشيعة" الأوائل أن للخلفاء الراشدين الثلاثة الأوائل أفضالا، لكنهم يروا أن عليا أفضل... ومع ذلك، لا ينكرون إمامة الصديق وعمر وعثمان، ما سوى ذلك، "فهم يتفقون مع أهل السنة في كل عقائدهم ومبادئهم وفقههم".
أما زيد بن علي، فقد قام بالخروج على الخلافة الأموية تماما كجده الحسين، وعرف تياره بالزيدية. وهو مذهب يتفق مع السنة تماما إلا في تفضيل علي على باقي الخلفاء الراشدين، وهو المذهب الشيعي الأقرب للسنة، كما في اليمن مثلا.
ويذكر الكاتب بأن هناك "طائفة من أتباع زيد بن علي سألوه عن رأيه في أبي بكر وعمر، فترحم عليهما، فرفضه هؤلاء ورفضوا الترحم على أبي بكر وعمر، وانشقوا عن فرقته. وهؤلاء عرفوا في التاريخ بالرافضة...وهؤلاء سيكون منهم من يؤسس بعد ذلك، مذهب الإثنا عشرية، أكبر مذاهب الشيعة". وهم الموجودون اليوم بإيران والعراق ولبنان، وهم كالتالي: على بن أبي طالب، الحسن بن علي، الحسين بن علي، علي زين العابدين بن الحسين، محمد الباقر بن زين العابدين، جعفر الصادق بن محمد الباقر، موسى الكاظم، علي الرضا، محمد الجواد، علي الهادي، الحسن بن علي العسكري، محمد بن الحسن العسكري.
أما محمد بن الحسن العسكري، فهو الطفل الصغير الذي توفي، لكنهم لا يظنونه مات، بل "دخل في أحد السراديب بجبل من الجبال، وأنه يعيش حتى الآن (أكثر من ألف سنة حتى الآن) وأنه سيعود في يوم ما لحكم العالم، وهو عندهم المهدي المنتظر".
ثم إنهم يزعمون أن الرسول (ص) أوصى بالأئمة الإثنا عشر، وأن الصحابة كتموا ذلك، لذلك فهم يفسقونهم ويكفرونهم لأنهم كتموا أمر الأئمة.
ثم هم قالوا بالتوارث، وقالوا بعصمة الإمام، أي أن الأئمة المذكورين معصومون من الخطأ، بالتالي يأخذ كلامهم حكم القرآن. ثم إنهم لا يقبلون كل علماء السنة ويرفضون كتب الصحاح والسنة، بمن فيهم البخاري وأصحاب المذاهب الأربعة.
ولعل من أخطر الفرق الشيعية فرقة الإسماعيلية التي تقول بألوهية الإمام، وتؤمن بالتناسخ وبأن الأئمة جميعا سيرجعون إلى الدنيا بعد موتهم.
الفرق الشيعية ثلاث إذن: الإثنا عشرة والإسماعيلية والقرامطة. الفرقة الأخيرة كانت أشدهم لجوء للعنف والترهيب. وقد أسست لها نهاية القرن الثالث الهجري، دولة في اليمن. وقد امتدت لكل ربوع الجزيرة العربية، ويحكى أنها كانت تقتل الحجيج. ويحكى أيضا أنهم هجموا على المسجد الحرام سنة 317 ه، وقتلوا كل الحجاج في الحرم وسرقوا الحجر السود من الكعبة بعد تهشيمه، ولم يعيدوه لمكانه إلا بعد 22 سنة.
أما الإسماعيلية، فقد أقاموا لهم دولة في المغرب وأسموها "الدولة الفاطمية" لجذب العامة، حيث أدعى الانتساب لفاطمة بنت الرسول (ص). وقد سيطروا على كل الشمال الإفريقي، حتى وصلوا مصر وأسسوا القاهرة وبنوا المسجد الأزهر بغية نشر المذهب الشيعي الإسماعيلي. وقد كانوا يقتلون علماء السنة ويسبون الصحابة. وقد امتد حكمهم بعدما بلغوا بلاد الشام حوالي قرنين من الزمن، إلى أن جاء صلاح الدين الأيوبي ووضع حدا لسلطانهم.
أما الفرقة الإثنا عشرية، فقد كانت تؤمن بالله ورسوله وبالبعث والنشور، لكن أتباعها أشاعوا البدع كثيرا، وقد أسسوا دولة في منطقة فارس، وسيطروا على الخلافة العباسية سنة 334 ه، مع إبقاء الخليفة العباسي في مركزه، خوفا من انقلاب المسلمين السنة عليهم. وقد احتلوها لأكثر من 100 سنة إلى أن جاء السلاجقة السنة، فأنقذوا العراق من سيطرة الشيعة.
القرن الرابع الهجري كان قرنا شيعيا بامتياز، لكن الشيعة تراجعوا بداية القرن العاشر الهجري، حيث تم تأسيس الدولة الصفوية الشيعية الإثنا عشرية في إيران. وقد خاض الصفويون صراعا طويلا مع العثمانيين، لا سيما بالعراق، وتقوى نفوذ الأولى، لا سيما بعدما بدأ التكالب الغربي على الإمبراطورية العثمانية.
في سنة 1925، وصلت عائلة رضا بهلوي للسلطة بمساعدة الإنجليز وأعلن نفسه شاها على إيران إلى حين العام 1979، تاريخ الثورة الإسلامية للخميني.