تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

قراءة في كتاب "العولمة والتكنولوجيا والثقافة" ليحيى اليحياوي (1-3): الغزو الثقافي في زمن العولمة مقدمة لغزو اقتصادي ومالي وتكنولوجي

ثمة ملاحظة مثيرة يصطدم بها، ولا يزال، كل من يتأمل طبيعة تعاطي الأقلام العربية مع موضوع العولمة، أو الموضوع الذي كتب فيه الكل، حتى صح الحديث عن انتظار ما يمكن أن تحرره الراقصات الشرقيات!! وأصبح كل من يملك فرصة إنتاج خطاب فكراني (إيديولوجي) معين، يمرر إذن وجهة نظره في الموضوع، تأسيسا على أرضية معرفية صلبة أم مهترءة، وبطبيعة الحال، في ظل هذه الفوضى الفكرية غير السوية ـ بيت القصيد ـ يختلط الغث بالسمين، وتختلط القراءات الاختزالية مع القراءات المركبة بتعبير عبد الوهاب المسيري، ونكاد نجزم أن الكتاب الذي نستعرض خطوطه العريضة اليوم، أبعد ما يكون مندرجا ضمن خانة القراءات الاختزالية التي يغلب عليها الخطاب العاطفي أو الدعائي الذي لا يفيد البتة في حسن تقييم أي ظاهرة، ولسنا في حاجة إلى تذكير القارئ الكريم كون المنتوج المعرفي العربي في هذا الصدد يشكو من طغيان هذه القراءات النمطية والحصرية.

لا تتجسد صلابة القراءة النقدية التي نجدها في ضيف هذه القراءة فقط من خلال تأمل طبيعة ما جاء فيه وحسب، ولكن، ترتبط على الخصوص، بحكم أن مؤلفه، الباحث المغربي يحيى اليحياوي، أصبح إسمه لصيقا تحديدا بملفات العولمة الاتصال والمعلوماتية، كما تشهد له بذلك عناوين أغلب مؤلفاته التي لا تخرج عن هذه المجالات المعرفية الثلاثة، ونذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: "حركة الليبرالية ومنطق الخوصصة" (1996 بالفرنسية)، "الوطن العربي وتحديات تكنولوجيا الإعلام والاتصال" (1997)، "العولمة ورهانات الإعلام" (1998)، "المحطات الفضائية في العالم العربي/ الإسلامي: تحليل في المضامين الثقافية" (1998)، "العولمة الموعودة" (1999)، "العولمة ومجتمع الإعلام" (2001)، "الإنترنت ومجتمع الإعلام" (2001)، ومؤلفات أخرى، آخرها ضيف هذه القراءة، كتاب "العولمة والتكنولوجيا والثقافة" (الصادر عن دار النشر "الطليعة"، بيروت، الطبعة الأولى. 2002).

 +++ العولمة بين الخطاب والممارسة

 مع البداية يشير الكاتب إلى أنه لا يروم من خلال مبحثه هذا تفكيك الخطاب السائد حول ظاهرة العولمة، أو تفكيك إشكالية المصطلح الإبستمولوجية، ولا مساءلة الممارسة (السياسية بالأساس) حول "استغلالها" له بغية تجديد خطابها، بقدر ما يهدف إلى مقاربة ظاهرة ومصطلح العولمة بحثا في مضمونها ومحاولة لتحديد فضائها على ضوء التحولات التكنولوجية الكبرى التي ميزت العقود الثلاثة الأخيرة للقرن العشرين، لاسيما في ميدان الإعلام والاتصال.

 إذا كان مصطلح العولمة حديث النشأة والعهد، فإنه تمكن بحسب الكاتب من غزو أكثر من خطاب واختراق أكثر من ممارسة. فعلى مستوى الخطاب الاقتصادي، أسس المصطلح لما اعتيد على تسميته بالعولمة الاقتصادية، بينما أسس بالنسبة لخبراء التكنولوجيا لما سمي بالعولمة التكنولوجيا، في الوقت الذي تبناه "أهل الثقافة" فيما أسموه بالعولمة الثقافية، أو رجال الأعمال فيما اصطلحوا على نعته بعولمة المال والأعمال ورأس المال.

 أما على مستوى الممارسة، فقد وظف المصطلح لتبرير، وبالتالي تمرير، برامج ومخططات لم ينجح الخطاب السائد إلا جزئيا في تبريرها وتمريرها. من هنا فإننا نجد من يفسر طبيعة الأزمة بظاهرة العولمة، وينادي بضرورة مسايرتها، أو على الأقل، التكيف معها. ونجد من يرى فيها إحدى فرص الخلاص نظرا لما توفره من حوافز ولما يمنحه تبنيها من امتيازات.

 العولمة هي بكل المقاييس إفراز لمعطيين ما انفكا منذ ثمانينات القرن العشرين يتكرسان ويتقومان:

المعطى الأول، ويتمثل في النمو المتسارع لسوق رأس المال والخدمات المالية غير الخاضع لسلطة ورقابة الدولة. إذ تنتقل مئات مليارات الدولارات عبر التدفقات المالية من مكان لآخر لمجرد تغييرات طفيفة في نسب الفائدة ودونما أن يكون للدولة الوطنية سلطان يذكر على حلها أو ترحالها.

 المعطى الثاني، ويتجلى في عولمة رأس المال نفسه، إياه التي سرعت بدورها من وتيرة تدويل الاستثمارات والأنظمة الإنتاجية وبالتالي التيارات التجارية بين أقطاب الاقتصاد العالمي، وهو ما أدى إلى عولمة لا المؤسسات فحسب، بل والاستراتيجيات والسياسات والأسواق أيضا.يعيب المؤلف على الخطاب السائد في العالم الثالث حول العولمة (وخصوصا الخطاب الأكاديمي منه) عدم تحديده للمفهوم، وتركيزه الجلي على أبعاده وتجلياته، بحيث تأتي الإسقاطات إما مؤدلجة، أو عديمة الموضوعية، أو مجانبة للسياق العام. وهو ما يفرغها، في كل الأحوال، من طابعها العلمي وفرضية تجردها. كما يعيب على الممارسة تبنيها للمصطلح من باب الترويج الديماغوجي المحض وعلى خلفية من "تحيزها" الصارخ، إذ باسمه تفسر الأوضاع، وتحت مسوغاته تبرر السياسات.

+++ دور تكنولوجيا الإعلام في عولمة الاقتصاد

بحسب المؤلف، يبقى الحديث عن عولمة الاقتصادات الوطنية (المتقدمة منها على وجه التحديد) شيء، وأن نتحدث عن عولمة قطاعات محددة من هذه الاقتصادات شيء آخر. والمقصود هو أن ربط تطور تكنولوجيا الإعلام والاتصال بظاهرة العولمة إنما يجب أن يتم عبر مسألتين يراهما متلازمتين:

المسألة الأولى: ومفادها أن تكنولوجيا الإعلام والاتصال، المشكلة من معلوماتية واتصالات وميدان سمعي-بصري، لم تحدد مسار العولمة بقدر ما مهدت لها الطريق ويسرت لها السبل.

والمسألة الثانية: وترتبط بكون هذه التكنولوجيا لم تسلم هي نفسها من ظاهرة العولمة، كما لم تسلم من قبل، وإن بمستويات أخف، من ظاهرتي التدويل وتعدد الجنسية في قطاعات إنتاج السلع والخدمات، وتصغير الحواسيب وربطها داخل شبكة كوكبية، قد مكنت من خلق انقلاب ضخم وشامل في نظام العالم". وانطلاقا من كل هذا، لم يتردد البعض في وصف اقتصاد نهاية القرن العشرين واقتصاد القرن الحادي والعشرين باقتصاد الرموز، باعتبار أن المعطى التكنولوجي المركزي الذي جعلته وسائل الإعلام والاتصال ممكنا يتمحور حول اللامادية والسرعة والآنية والشمولية وما إلى ذلك.

وفحوى القول هو أن السلطة – في ظل العولمة - لم تعد تكمن في امتلاك الأدوات المادية من أراض وموارد طبيعية وآلات وغيرها، بقدر ما أصبحت تتمحور تدريجيا حول التحكم في الأدوات اللامادية من بحث علمي وتحكم في التكنولوجيا العالية، في الإعلام والاتصال والمال، لدرجة أن الحديث بدأ يتركز على مجتمع الإعلام والاتصال والمعرفة أكثر منه على المجتمع الإنتاجي المادي المقدم نفسه على أنه تقليدي.

ولعل إحدى أبرز العلامات على الميل المطرد باتجاه الاقتصاد اللامادي، ظهور شركات كبرى للإعلام والاتصال وتوسع نشاطها على المستوى الكوني. إذ من بين 20 مؤسسة صناعية كبرى نجد ستا منها متخصصة في الإلكترونيات الدقيقة وفي المعلوماتية، في حين لم يكن لمثل هذه الشركات أثر يذكر قبل عشرين سنة.

لم يعد السوق العالمي إذن، في ظل ظاهرة العولمة، مجرد فضاء مادي تتم من خلاله العمليات التجارية والمالية كما عهدناه في مرحلتي التدويل وتعدد الجنسية، بل أضحى ملتقى إعلاميا كوكبيا يجري في إطاره تبادل المعطيات والتحكيمات المالية على حساب الاقتصاد الواقعي أو المادي، وخرجت من صلبه مافيات نشيطة ذات خبرة واسعة في مجال المضاربات المالية والعقارية، واندحرت داخله مفاهيم المنافسة الحرة وقيم الشفافية لصالح الممارسات الاحتكارية وثقافة الارتشاء والتهرب من الضرائب وتبييض أموال المخدرات … الخ.

مهم للغاية تنبيه الكاتب إلى ما قد نصفه بأهم تبعات تكريس منظومة العولمة الجديدة، تلك التي صنعتها وكرستها وسايرتها تكنولوجيا الإعلام والاتصال من بين عوامل أخرى، بحيث أنها لم تسحب السجاد من تحت أقدام مفاهيم القومية (بمعنى القطرية) والسوق الوطني والحدود الجغرافية فحسب، بل سحبتها أيضا من تحت أقدام الدولة (أو الدولة/الأمة) بتشريعاتها ومعاييرها ونظم تسييرها، فتحولت الدولة إلى مجرد متفرج على قرارات تتخذ داخلها من طرف شبكات المال والأعمال العالمية النشاط، فأرغت بذلك من دورها كفاعل رئيسي في عملية تحديد السياسة الاقتصادية وحتى من سلطتها الجبائية على الموارد "العابرة" لكيانها الجغرافي.

 +++ العولمة وإشكالية "المجتمع الإعلامي الكوكبي"

في معرض سبر أغوار المقدمات الميدانية ـ التاريخية التي أفرزت العولمة الراهنة، أو "مراحل العولمة" السابقة التي مهدت لما نعيش على إيقاعه اليوم، يستشهد المؤلف بما صدر عن المفكر مارك فيرو الذي أن العصر الحاضر إنما هو نتاج أربع عولمات ساهمت كل منها على حدة في مأسسة ما يمكن تسميته بعقيدة التوحيد أو "إيديولوجية التطابق"، وهي:

+ عولمة الاقتصاد، وقد بدأت تظهر خلال القرن السادس عشر، وهي ظاهرة ما فتئت تتسارع وتتطور. ففي الوقت الذي بدأت فيه الاقتصادات تتميز (في الصين والغرب الإسلامي..) بوحدتها، برزت للوجود ظواهر مثل ارتفاع وانخفاض الأسعار، تطور التقنيات، تزايد الضغوط الخارجية.. أفقدت المواطن معاييره الثابتة الكامنة في الملك والضابط ورجل الدين والقانون وغيرها، وهذه الفترة أرخت لما يسميه مارك فيرو بفترة "ضياع المعايير".

+ مرحلة العولمة البيروقراطية، وقد تزامنت مع الثورة الفرنسية وظهور بذور العهد التكنوقراطي والسلطة المركزية، ونجم عن امتيازات النخب الجديدة فيها (عسكريون، رجال دين..) اتساع الهوة بين المركز والأطراف، وأدت إلى رفض كل من هم خارج النظام من مهمشين وضحايا، بما في ذلك مناطق بأكملها. وهذه الفترة كرست لمرحلة "غياب الملجأ أو ضياعه".

+ المرحلة الثالثة، وقد تأسست لفترة العولمة العلمية خلال القرن السابع عشر. لكن هذه العولمة كانت بطيئة لا على مستوى العلوم الطبية والفيزيائية فحسب، ولكن فيما يخص علوم الإنسان والاجتماع والعمران أيضا.

+ ثم مرحلة عولمة الإعلام والاتصال، وهي تؤرخ لمرحلة توحيد الخبر حيث تبث التلفزة، عن الصومال مثلا، الصورة نفسها لمشاهدي لندن وريو وأوكلاهوما.

ما من شك إذن في أن ثورة قطاع الإعلام والاتصال وتراجع دور الدولة والتشريعات "وانفراج" العلاقات الدولية هي أحد أهم هذه العوامل الأساسية. إلا أن ظاهرة العولمة، على الرغم من طابعها الانتقالي وعدم استقرار مكوناتها، تثير تساؤلات المؤلف على أكثر من جانب وعلى أكثر من مستوى:

المستوى الأول، ويتعلق بطابعها التناقضي لا على مستوى الأسواق فحسب، ولكن أيضا بالنظر إلى استراتيجيات المؤسسات الفاعلة.

والمستوى الثاني، ويتجلى في محدودية الظاهرة لا في تكريسها للقطبية فقط، بل وفي تبنيها ل"مجتمع الشبكات" عوض "مجتمع الإعلام والاتصال" كذلك.

وطابع العولمة التناقضي إنما يتجلى في تبنيها لمعطى التطابقية بالنظر لنزاهة السوق ووحدة (وربما وحدانية) نمط الاستهلاك وعقلانية الاختيار. بمعنى أن السلع والخدمات إنما هي منمطة لمستهلك لا لمستهلكين، والحال، يضيف اليحياوي، أن هذا الطرح لا يستثني فقط اختلافية الأذواق وتباين الاختيارات، بل وكذلك خصوصية أنماط الاستهلاك حتى وإن كانت الاختلافية تلك والخصوصية نفسها متناسقتين لا متباينتين.

+++ نحو "مجتمع إعلامي كوكبي"!

في ظل رخاء ما يصفها الكاتب ب"الثلاثين الخوالد" التي عاشتها الاقتصادات الغربية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وإلى منتصف السبعينات من القرن العشرين، غمرت الفكر الاقتصادي والسوسيولوجي مصطلحات ومفاهيم جديدة هدف من خلالها أصحابها إلى مقاربة مرحلة الازدهار الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي الذي ميز فترة ما بعد الحرب.

 فظهرت مفاهيم "المجتمع ما بعد الصناعي" و"المجتمع ما بعد الصناعي" و"المجتمع الاستهلاكي". وما إلى ذلك. وقد استنفذت هذه المفاهيم دلالتها مع ظهور أنماط جديدة وطرق متجددة لإنتاج وإعادة إنتاج وتوزيع القيمة، وبالتالي استهلاكها. فظهرت بذلك مفاهيم "اقتصاد الإعلام والاتصال" و"اقتصاد اللامادة" و"المجتمع العالي الدقة"، وأخيرا وليس آخرا، مصطلحا "القرية الكوكبية" أو "المجتمع الإعلامي الكوكبي".

ينطلق أصحاب أطروحة "المجتمع الإعلامي" أو "الاتصالاتي" من فكرة مؤداها أنه في ظل تكنولوجيا الإعلام والاتصال بفروعها الثلاثة: اتصالات، معلوماتية، ميدان سمعي-بصري، ستنتقل المجتمعات والاقتصادات من الإنتاج المادي المحض (إذ سيوكل هذا الأخير للربوتات Robots)، إلى إنتاج وتسيير وهضم المعلومات.

ويستدلون، لتزكية طرحهم هذا، على ما تتيحه هذه التكنولوجيا، ولاسيما ترابط شبكاتها، من امتيازات كبرى كالعمل عن بعد والتعلم عن بعد والتطبيب عن بعد والحجز عن بعد وطبع الجرائد عن بعد… إلى غير ذلك من الخدمات. وهو ما جعل، تقنيا على الأقل، مجتمعات الدول المتقدمة عبارة عن "مجتمعات/شبكات" يتم التعامل داخلها بالرموز والبيانات والصور باعتبارها "المحدد" الجديد للنشاط الاقتصادي والمالي والاتصالاتي (وإلى حد ما التواصلي) الاجتماعي والثقافي.

 جريدة أخبار العرب الإماراتية، يومية، أبو ظبي 12 دجنبر 2002 (قراءة منتصر حمادة، كاتب من المغرب)

 

يمكنكم مشاركة هذا المقال