كنا نسمع عن المضائق البحرية الكبرى المتواجدة في تخوم القارات أو في ملتقياتها وعقد تقاطعاتها، لكننا لم نكن ندرك جيدا أنها حقا، عصب الاقتصاد والتجارة العالميين إلا زمن النزاعات والحروب. لم نكن نعرف مكانة قناة السويس مثلا، إلا في أعقاب تأميمها من لدن ثورة 23 يوليوز والعدوان الثلاثي الذي تلاها. ولم نكن ندرك مركزية قناة بناما إلا على ضوء سياسات الابتزاز الأميركية التي لا تنتهي إلا لكي تبدأ من جديد، بسبب معقول تارة، وبأسباب واهية في العديد من الحالات. وهي بكل الأحوال الدولة التي أنشأت القناة من أكثر من قرن من الزمن، كأحد أكبر مشاريع الهندسة لربط المحيط الأطلسي بالمحيط الهادي.
المضائق نقاط جغرافية ضيقة للغاية، عبارة عن ممرات مائية مستقيمة أو ملتوية، لكنها كافية لكي تكون شريان حياة الاقتصادات، المتقدمة منها كما المتخلفة على حد سواء. إذا أغلقت أو تكثفت تيارات العبور عبرها لدرجة الاختناق، تتوقف الحركة وتتعطل عجلة التجارة، ومن ثمة تتباطأ عجلة الاقتصاد العالمي بأكمله.
لا يتعدى عدد المضائق في العالم عدد أصابع اليد، لكنها كافية كي تكون مسارات عبور محورية، تنتظم في إطارها سلاسل الإنتاج بين معظم دول المعمور، وتتجلى من خلالها أنماط توزيع القيمة على المستوى العالمي: قناة باد كالي شمال فرنسا، ثم قناة البوسفور ومضيق جبل طارق وباب المندب ومضيق هرمز وملاكا بين أندونيسيا وماليزيا، وقناة السويس، وقناة الدردنيل...وهكذا.
لا وضعية قانونية ثابتة للمضائق. لكنها تعتبر عرفا، جزءا من قانون التجارة العالمي. بيد أنها، وإن كانت كذلك، فهي تخفي في ثناياها نذر الاحتقانات الجيو/استراتيجية التي سرعان ما تنفجر وتتجلى فوق مياهها أكثر ما تتجلى بالحدود التقليدية أو بفضاءات السيادة الجوية أو بما سواها. ومع أن قانون البحار المترتب عن معاهدة "منتيغوباي" بجامايكا في العام 1982، قد حسم مسألة توزيع الفضاءات البحرية بين ما هو مياه إقليمية وما هو منطقة اقتصادية خالصة وما هو أعالي بحار، فإن الحزازات وعلامات الحيطة والحذر، تبقى مضمرة ليس فقط بين البلدان المتشاطئة، صاحبة "الحق الطبيعي" الأول، بل بين كل البلدان التي تستعمل المضائق إياها لمرور سفنها وسلعها ومنتوجاتها، تصديرا أو استيرادا أو شركات تأمين.
عندما نعلم أن 90 بالمائة من تيارات التجارة العالمية تقتني مضائق باب المندب وملاكا وقناة السويس وقناة بناما وجبل طارق، فإننا ندرك أن الرهانات هي من الضخامة لدرجة تستوجب تأمين العبور، وفي العديد من الحالات تسييجه بقواعد عسكرية وبنظم تقنية ولوجيستية تحمي من يدخل كي يعبر، وترتب الجزاءات على من يتجاوز.
المضائق من هذه الزاوية، تدار وفق موازين قوى على الأرض، تذهب حد تبرير التواجد البريطاني بمضيق جبل طارق، والإسباني بمدينتي سبتة ومليلية، والأيسلندي في "كيفلافيك"، والأميركي/الفرنسي/البريطاني بمضيق هرمز.
إن إغلاق مضيق هرمز مثلا، هو توقيف شبه تام لحركة 20 بالمائة من تيارات الطاقة في العالم، وإغلاق باب المندب هو قطع للطريق الرابط بين آسيا وأوروبا وتأخير لتنقل السلع والخدمات يقدر بالأسابيع والشهور. هما مضيقان استراتيجيان بكل المقاييس، إذ يقعان في صلب جغرافيا تختزن أكبر احتياطي الطاقة في العالم، لا بل وتعتبر القطب الطاقي العالمي الأكبر (30 بالمائة)، إنتاجا وتصديرا. ولما كانت كذلك، فإن أي زعزعة لنسقية سريان النفط والغاز من بين ظهرانيها، دع عنك تدفق المواد الثمينة الضرورية للصناعات المتقدمة القادمة من آسيا، كل ذلك يحولهما من نقاط جغرافية قارة إلى "أمواج" جيو/سياسية متحركة، من عاشر المستحيلات أن تكون مصدر لامبالاة من لدن هذه الدولة الكبرى أو تلك.
أما ثالث مخاطر إغلاق المضائق، فيتمثل في التعطيل المحتمل لعشرات كوابل الألياف البصرية العابرة لأعماق مياه هذا المضيق أو ذاك، والقلب النابض لتنقل المعطيات الضخمة، المحركة لتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا الكلاود. ولذلك، فأهمية المضائق لا تتأتى فقط من رهاناتها الجيو/الاستراتيجية والجيو/السياسية، المتقاطعة حتما مع الرهانات الاقتصادية، بل من كونها قد تأخذ بلدانا وشعوبا رهائن لحسابات قد لا تكون بالضرورة عقلانية، خصوصا لو تم ركوب ناصية التحكم في المضائق كورقة ضغط في المفاوضات كما الحال مع مضيق هرمز.
هل يمكن تصنيف المضائق كملك كوني مشترك، يكون عبوره حرا ومتاحا وغير خاضع لرسوم الدول أو لتفتيش الجمارك أو للتهديد بالحجب أو بالإغلاق من لدن هذه الدولة أو تلك؟ هذا سؤال قد يجد مشروعيته بأزمنة السلم، حيث لا مصلحة لأحد في أن تتعطل مصالحه أو مصالح غيره. لكن ظروف الحرب تفترض ركوب ناصية منطق آخر، لا سيما لو كانت البلدان المتشاطئة في حالة نزاع مسلح.
موقع عروبة، 20 غشت 2026
https://ourouba22.com/article/9574-%D8%AD%D8%B1%D9%88%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B6%D8%A7%D8%A6%D9%82