أن يكون بلد ما صاحب سيادة، معناه أنه يملك مقومات سن قوانينه وتشريعاته، يمليها ويطبقها بحرية، دون ضغط أو إكراه. هذا تحديد عام، لكنه لا يستقيم إلا في إطار فضاء جغرافي معين، مرسم بحدود ومستقل. بيد أن هذا الإطار الجامع، سرعان ما اعترته التعرية وبات مكمن عدم استقرار، بسبب ثلاثة معطيات كبرى:
°- الأول بسبب اشتداد وتنوع المبادلات التجارية، ثم كثافة تنقل الرساميل وتزايد تيارات تنقل الأفراد والجماعات بين الفضاءات الجغرافية المختلفة. ما سمي بالعولمة أو بالكوكبة ينهل خلفيته من هذا التوجه.
°- السبب الثاني ويتمثل في ثورة وسائل الإعلام الجماهيرية التي فسحت في المجال واسعا لظاهرة دمقرطة الوصول للمعلومة والنفاذ الحر للخبر. بالتالي، فإن أنماط المشاركة السياسية قد تنوعت لتتخلص من الأشكال التقليدية للالتزام الحزبي، لفائدة تمثل في المشاركة مباشر وتفاعلي.
°- أما السبب الثالث، فيكمن في الطفرة الرقمية التي تسارعت وتيرتها منذ أواسط ثمانينات القرن الماضي، على محك إبداعات تكنولوجية طالت كل سلاسل إنتاج القيمة، وعلى وقع اندماج لتكنولوجيا في الإعلام والاتصال باتت من حينه قطاعا ينهل من المنطق الشبكي والعمل الأفقي والإبداع الجماعي الواسع.
هذه المعطيات الثلاثة إنما تؤشر على التراجع التدريجي لمفهوم السيادة كما عهدناه، وعلى مدى تقلص قدرة الدول على ضبط مجالها الجغرافي وفضائها السيبراني، دع عنك سلطتها على أسواقها وعلى الفاعلين الاقتصاديين المنتظمين في إطارها. لقد باتت "الثورة الرقمية" تسائل الدول في استقلالية وسائل إنتاجها وحركتها، وأيضا في قدرتها على صيانة المصالح الاستراتيجية لمواطنيها، في سياق يتميز بالتوترات الاقتصادية والمواجهات الجيو/سياسية الخشنة.
وإذا لم تعد ثمة من مزايدة كبرى حول مضمون السيادة في بعدها القانوني والسياسي، فإن مفهوم السيادة الرقمية لا يزال مثار تباين في سبل مقاربته وضبط مجاله. إنه وحدة تحليلية تحيل على البعد القانوني الملازم للسيادة، وتحيل أيضا على مفهوم الرقمنة الغير متوافق بشأنه: هل نعني به مختلف الطبقات التكنولوجية للشبكات الرقمية/السيبرانية، أم ذاك المفهوم الذي يحيل على الطبيعة "التدميرية" بمنطوق شامبيتر، حيث يمتد المجال من رقمنة الشبكات إلى إنترنيت الأشياء، ثم إلى التكنولوجيا السحابية وأنماط الذكاء الاصطناعي؟ إذا كان الأمر كذلك، فمعناه أننا نركب ناصية تمثل للتكنولوجيا يزكي البعد التكنولوجي الخالص، ولا يعير كبير اعتبار للأبعاد السوسيولوجية والأنتروبولوجية التي يحيل عليها مفهوم السيادة. هذا وجه صعوبة أول.
أما وجه الصعوبة الثاني، فيكمن في مسألة "الربط" بين تقنية خالصة (تقنية الرقمنة)، وبين وحدة تحليلية كالسيادة، تحتكم لبعد قانوني وسياسي وسوسيولوجي لا مندوحة عنه لفهمها وتأطير مجالها.
ثمة وجه صعوبة ثالث، لا يمكن أن نفهم سياق السيادة الرقمية إلا باستحضاره: عندما نتحدث عن علاقة الرقمنة بالسيادة، فإن علينا أن نتساءل في جانبين: جانب السيادة في الفضاء الرقمي، ثم جانب تأثير الرقمنة على السيادة في حد ذاتها. وهما جانبان مستقلان، لكنهما يتقاطعان على مستوى السياسات العمومية التي تتخذ من الرقمنة أداة في التنمية وفي إعداد التراب الوطني.
عندما تتقاطع السياسات العمومية مع مطلب السيادة الرقمية، تطرح بقوة مسألة "الاستقلالية الرقمية"، والاستقلالية التكنولوجية بوجه عام. يبقى السؤال: تحت أية عتبة من التبعية يمكن أن ندعي أن بلدا ما على وشك فقدان سيادته ومن ثمة استقلاله التكنولوجي؟ أي منسوب في التبعية يمكن القبول به وتحمله؟
نأتي الآن للسؤال المحوري: هل يجوز الحديث عن سيادة رقمية عربية بالمعنى الذي حددنا إطاره النظري أعلاه؟ هذا سؤال يحيل على ثلاثة أسئلة فرعية:
°- أولا: هل للبلدان العربية القدرة على التحكم في بناها التحتية، تقنيات وبرامج وخوارزميات، ثم في المعطيات الضخمة العابرة لها أو المقتنية لناصيتها؟ الجواب لا لبس فيه، إذ كل البلدان العربية تقتني "التكنولوجيا المتقدمة" من الدول والشركات الكبرى، أي من سوق عالمية ممركزة ومتحكم في شيفرة أنظمتها التقنية.
°- ثانيا: هل تتحكم البلدان العربية في بياناتها وما تنتجه من معطيات؟ الجواب واضح هنا أيضا، إذ إلى جانب كوننا مجرد مستهلكي بيانات، فنحن لا نتوفر على مراكز سحابية لتخزين معطياتنا. لا نملك بالتالي مقومات سيادتنا الرقمية، لأننا لا نملك المجال الرقمي الذي يمكننا من تخزين بياناتنا. إذ كل بياناتنا مخزنة بالخارج وتخضع لقوانين "البلد/المضيف".
°- ثالثا: هل نتحكم في المرجعية التي تصاغ بها معطياتنا في مراكز التخزين الأجنبية، لا سيما في ظل تقدم تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي؟...أبدا. إذ نحن مجرد مجال تتدفق منه البيانات الخام لفائدة سحابات رقمية غريبة، تعالج ثقافتنا وتاريخنا وتمثلاتنا ببرمجياتها، بطريقتها وبالخلفية التي تحكمها...ثم تعيدها لنا، كي "نأخذ بها"...
موقع عروبة، 21 يونيو 2026
https://ourouba22.com/article/9042-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8-%D9%88%D8%B3%D8%A4%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%AF%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%82%D9%85%D9%8A%D8%A9