19 يونيو 2026
من انتصر، إيران أم الأميركان؟...كل طرف يدعي النصر...بحساباته هو، لا بحسابات غريمه ...الأميركان وإسرائيل، راهنوا على سقوط النظام بمجرد سقوط أركانه...تمت تصفية معظمهم، لكن النظام لم يسقط...ضرب في مقتل، لكنه لم يقوض في بنيانه...تدارك قادة الصفوف الخلفية الأمر، فتماسكوا وأداروا المعركة العسكرية والدبلوماسية بمهارة واقتدار وصبر...من هنا، تبدأ الحكاية...أغلقوا مضيق هرمز، فحولوا الحرب إلى مبارزة اقتصادية عالمية، آلمت مخزونات النفط بكل بلدان الدنيا، وجعلت الاقتصادات المتقدمة، دع عنك اقتصادات العالم الثالث، في ورطة حقيقية من التزود بالطاقة...مضيق من بضعة كيلومترات، جعل الكل يئن تحت وطأة الكساد والركود وانتفاء الحيلة...لم يكن المضيق مغلقا...اضطر الإيرانيون لإغلاقه، ليجعلوا من فتحه إشكالا كونيا، مع أنه كان مفتوحا للملاحة من قبل...أراد الأميركان نصب الفخ، فسقطوا ضحيته دون أن يدركوا...الدفع لإغلاق المفتوح، ثم المطالبة بفتحه من جديد...ورقة رابحة استغلها الإيرانيون، وحولوها إلى أداة ضغط وابتزاز ووسيلة تفاوض قاتلة، حتى في ظل الحصار البحري الأميركي...أما ال 440 كيلوغراما من اليورانيوم المنضب، فقد أخفاها الإيرانيون في مخازن من عاشر المستحيلات الوصول إليها أو تدميرها في جغرافيا شاسعة ومعقدة...تماما كمخازن ما استجد لديهم من صواريخ عابرة للقارات ومن مسيرات...تم استدراج ترامب بذكاء، ليسلم بأن حساباته قد تبخرت أو كادت، فكان التوقيع على مذكرة التفاهم بقصر فرساي... نفس القصر الذي شهد توقيع استسلام ألمانيا في الحرب العالمية الأولى ...ما الذي جناه ترامب؟...التزام عابر من لدن إيران بعدم تصنيع سلاح نووي...مع أن الإيرانيين يقرون بأن لديهم فتوى تحريم قاطعة بهذا الخصوص، لا يمكنهم تجاوزها أو إصدار نقيض لها...ثم فتح مضيق هرمز، الذي لم يكن له ليغلق لولا الحرب...ما الذي جناه الإيرانيون؟...رفع الحصار...ثم رفع القيود على أرصدتهم بالخارج...ثم الاعتراف لهم بالسيادة على مضيق هرمز...ثم الإقرار بأنهم باتوا قوة إقليمية لا يمكن الاجتماع بدونها ...ماذا ربحت بلدان الخليج؟...لا شيء...خسرت مظلة القواعد الأميركية، التي لم يعد بمقدورها حماية نفسها...ثم ملايير الجزية التي ستقدمها لإيران عوضا عن إسرائيل والأميركان...ثم القناعة بأنها لا تساوي شيئا في معادلة الشرق الأوسط...أما لو عادت الحرب من جديد، فسيخرج كل طرف ما لديه لتدمير غريمه...تدميرا كاملا...سيكون التدمير متبادلا وعلى نطاق واسع
22 يونيو 2026
لم يثر ملف غزة بمفاوضات الأميركان مع إيران...ولم يصدر بيان معاتبة بوجه الإيرانيين لا من لدن المقاومة ولا من لدن حركة حماس أو الجهاد الإسلامي، دع عنك من لدن سلطة برام الله تحت الحصار...إيران قدمت الكثير للمقاومة في غزة...وقد اعترف لها الفلسطينيون بذلك...يحيى السنوار رحمه الله، أقر بنفسه بأنه لولا سلاح إيران وما قدمته من مال ودعم خفي، ما استطاعت المقاومة أن تبني ذاتها أو تصمد أمام عدوان أرادته إسرائيل محرقة وإبادة بالجملة...لو عاتب الفلسطينيون إيران وهي تقاتل بكل الجبهات، لكانوا من ناكري الجميل ومن الذين يطعنون أهل الفضل عليهم من الخلف...وأحسب أنه لو كان بمقدور إيران أن تدرج بندا لرفع الحصار عن غزة لما ترددت، فشددت في تعذر ذلك، على إدراج عبارة "كل الجبهات"...هذا استنتاج فقط، ويجب أن يفهم باعتباره كذلك... إيران لا يمكن أن تنوب عن العرب في كل قضاياهم...ولا يمكن أن تقف بجانبهم وهم يناصبونها العداء ويضمرون لها الشر...لا يرحمون ويحرموا أبناء جلدتهم من رحمة رب العالمين...كانت غزة تحترق أمامهم لأكثر من عامين، ولم يحرك أحد منهم ساكنا...لا بل تواطأ بعضهم على تدميرها والإجهاز على مقاومتها...من عمى بصر العرب أنهم لم يلحظوا بعد وصول قطار إسرائيل الكبرى لمحطتهم...ومن عمى بصيرتهم أنهم يتخذون من أعدائهم أصدقاء وأولياء، ويأتمنوهم...لقد جربوا استعداء إيران... ففشلوا...عليهم اليوم أن يجربوا التحالف معها ويتعلموا منها أن الفوز ليس شعارا...بل من نصيب من يملك مقومات تحقيقه
24 يونيو 2026
أبهرني الدور الكبير الذي قام به رئيس وزراء باكستان وقائد جيشه، في مفاوضات إيران مع الأميركان...الأول يدعى شهباز شريف...رجل أعمال متواضع، لكنه صاحب كاريزما قوية...والثاني المشير عاصم منير...عسكري محنك، وصاحب أعلى النياشين في الجيش الباكستاني، دع عنك تمرسه الطويل في أجهزة المخابرات، المدنية والعسكرية...حيثما ترى الأول، ترى الثاني بجانبه...ولكأنهما يقولان ألا قيمة للسياسة إذا لم تكن ترتكز على قوة ضاربة تسندها...أن ينجحا في جمع عدوين لدودين، ويدبرا مفاوضات تنعدم بشأنها عناصر الثقة، فهذا من باب المهارة النادرة...أما أن ينجحا في تليين مواقف الطرفين، بما لا يخلق جوا من المصادمة أو القطيعة، فذاك من باب الرزانة وطول النفس...أيا ما تكن نتائج المفاوضات، فإن باكستان قد كرست وبقوة دورها كوسيط مهاب الجانب، بمقدوره جمع المتناقضات أو على أقل تقدير، تقريبها...أن يلم رئيس وزراء باكستان في قاعة واحدة نائب الرئيس الأميركي ورئيس مجلس النواب الإيراني، وهو يتوسط "الطاولة"، فهذا عربون أن الرجل قد ضمن لبلده وزنا واعتبارا كبيرين...وضمن للباكستانيين مقاما بين شعوب الأرض...هذا لوحده يشرفه ويكفيه...دعونا من هؤلاء وأولئك...ولننظر في حظنا المتعثر ...رئيس حكومة يرفض حزبه تشكيل لجنة لتقصي الحقائق، ويتستر على فراقشية البهائم...هل ننتظر منه أن يرفع رأسنا بين بلدان المعمور؟...أما وزير خارجيته، فلم نسمع له "لا حسا ولا خبرا" لا في الحرب على غزة ولا في الحرب على إيران...يراهن فقط على فتح قنصليات بالصحراء، لبلدان لا جالية لها هناك ولا استثمار...ثم يتفاخر ويحتفل ويسوق لنا ذلك من باب "الإنجازات الكبرى"
26 يونيو 2026
لم تنته الحرب على إيران... من المؤكد أن يشن الأميركان وإسرائيل عدوانا جديدا عليها في أي وقت وحين، وبدون مسوغ...وقد يكون ساحقا ماحقا بلغة الرئيس الأميركي...الحرب على إيران ليست حرب الأميركان...هم استدرجوا إليها فقط...إسرائيل تعلن أنها لا تريد إيران قوية في الشرق الأوسط...تريدها مقسمة وضعيفة وموالية...ولا تخفي أنها تريد شرقا أوسط يتقاطع مع مشروعها لإقامة إسرائيل الكبرى...أي شرقا أوسطا مفصلا على خارطة المشروع... تكون إسرائيل في صلبه، هي الآمر الناهي...إيران عقبة معلنة، لا بد من إزاحتها... وتركيا عقبة أخرى، معلنة أيضا... لقد تزايدت نبرة تحرش إسرائيل بها... واعتبارها، يقول لسان حالها، "تهديدا استراتيجيا قد يتجاوز في بعض الجوانب، التحدي الإيراني التقليدي"... المواجهة مع تركيا قادمة لا محالة...أما مصر، فستكون "خاتمة العقد"...نأتي الآن لبلدان الخليج...وزير خارجية أميركا يجتمع من يومين، مع حكام الإمارات والكويت والبحرين، ويصدروا بلاغا مشتركا بمثابة إعلان حرب قادمة على إيران، إن هي لم ترتدع...حكام لم يتعلموا الدرس...ولن يتعلموه...أنا لا أخشى على إيران وعلى تركيا...أخشى على مصر وبلدان الخليج
نافذة "رأي في الشأن الجاري"
29 يونيو 2026