تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

اليحياوي يفضح بنية تحتية من طين: لماذا صمدت قناطر الحماية وسقطت قناطر الاستقلال؟

هبة زووم – الرباط
 

يواصل الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي إبحاره في تفكيك أعطاب الدولة والمجتمع، عبر تدوينات لا تعرف المجاملة ولا تستكين للغة الخشب.


قلم قاسٍ، نعم، لكنه يقول الحقيقة كما هي، حتى حين تكون صادمة ومحرجة، وهذه المرة، يفتح اليحياوي جبهة البنية التحتية، أحد أكثر الملفات حساسية، وأشدها ارتباطًا بالمال العام والغش والفساد.


بمقارنة موجعة، يستحضر اليحياوي مفارقة يصعب تجاهلها: فرنسا، خلال فترة الحماية، شيدت طرقًا وقناطر ما يزال جزء كبير منها صامدًا وقابلًا للاستعمال إلى اليوم، خصوصًا في ما يسميه بـ”الغرب المنسي”، حيث تمتد مئات الكيلومترات من الطرق المعبدة، شاهدة على متانة الإنجاز وقدرته على مقاومة التعرية والفيضانات وتقلبات الزمن.


قناطر من حديد وحسابات دقيقة، لم تسقط رغم مرور العقود، ولم تنهار أمام أول اختبار طبيعي.


لكن المفارقة المؤلمة، حسب اليحياوي، تبدأ بعد رحيل فرنسا، حيث دخل على الخط “مقاولو جيل الاستقلال”، فشُيّدت طرق وقناطر لا تحمل من هذه التسميات سوى الاسم.


هزة أرضية بسيطة، فيضان موسمي عابر، أو حتى تساقطات عادية كفيلة بتحويلها إلى حفر لا متناهية، وانزلاقات في التربة، وتشققات تُفقدها أي وظيفة، أما القناطر، فيصفها الباحث بمرارة: "تتحول إلى أطلال" من الطوب لا من الحديد.


اليحياوي لا يتوقف عند الوصف، بل يذهب مباشرة إلى جذر العطب: الغش، الذي بات – حسب تعبيره – ملازمًا لتدبير الجماعات، بالبادية كما بالمدن.


دفاتر تحملات تُكتب على المقاس، طرق من “طين”، وقناطر من “أعواد”، بتواطؤ نخب المركز والهامش، ومباركة صامتة من الجميع.


والسؤال الذي يطرحه اليحياوي بجرأة: ما الذي يميز شعوبًا كالألمان أو الفرنسيين أو الإسبان عنا؟ هل هو الذكاء؟ أم التقنية؟ أم شيء أبسط وأخطر، الصدق والمسؤولية؟


في تشخيص قاتم، يرى اليحياوي أن ما نعيشه ليس مجرد اختلالات تقنية، بل منظومة متكاملة من التحايل: الكل يخادع الكل، الكل يغش الكل، والكل يسعى إلى الاغتناء السريع، مهما كانت الكلفة: تدمير، نهب، وتفريغ المصلحة العامة من معناها.


ولهذا، يؤكد أنه لا ينبهر بالأبراج والأضواء والزخارف، لأن الأساسات – في نظره – منخورة عن آخرها، ومآلها الانهيار لا محالة.


التدوينة لا تنتهي بحل جاهز، بل بسؤال أكثر إيلامًا: لمن نوجه السؤال؟ لأن الجميع، كما يقول، يتبرأ رغم أن الجميع مشارك أو متواطئ في هذه المهزلة.


وهو سؤال يضع الدولة، المنتخبين، الإدارات، المقاولين، والمجتمع، أمام مرآة قاسية: إما الاعتراف الجماعي بالمسؤولية، أو استمرار الدوران في حلقة طرق تنهار… وقناطر تسقط… وأموال تُهدر.

 

هيبازوم، 27 فبراير 2026

hibazoom.com/article-201951/

قراءة المقال

يمكنكم مشاركة هذا المقال