تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

حين ترحل الأصوات المزعجة للنظام العالمي: سوزان جورج كما رآها يحيى اليحياوي

هبة زووم – الرباط


يواصل الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي تدويناته الفكرية التي تخرج عن ضجيج اللحظة، لتضع القارئ أمام أسئلة كبرى غالباً ما تُقصى من النقاش العمومي، وهذه المرة، اختار اليحياوي بوابة شخصية بصمت دولياً، لكنها تركت أثراً عميقاً في مسار الفكر النقدي المعاصر: سوزان جورج.


امرأة، كما وصفها، “من طراز خاص”، لا يعرفها الجمهور الواسع، رغم أن أفكارها لامست جوهر ما يحكم العالم اليوم. اقتصادية وفيلسوفة، لكنها قبل كل شيء مناضلة، لا تؤمن بالمساومة، ولا بالحياد أمام الظلم المعولم.


ولدت سوزان جورج في الولايات المتحدة، لكنها اختارت مغادرة المركز الإمبراطوري للاستقرار في فرنسا، حيث حصلت على الدكتوراه من المدرسة العليا للعلوم الاجتماعية، وانخرطت في شبكات فكرية ونضالية جمعتها باقتصاديي أميركا اللاتينية وإفريقيا، وبمناهضي العولمة النيوليبرالية، وبالمدافعين عن حق بلدان الجنوب في التنمية والديمقراطية والسيادة.


في أحد أبرز كتبها، المغتصبون، تفكك جورج بنية السلطة الحقيقية في العالم المعاصر، متحدثة عن الشركات العابرة للحدود، تلك الكيانات التي لا تخضع لأي تفويض انتخابي، ولا تُسائل ديمقراطياً، لكنها تتحكم في مصائر الدول والشعوب، إما بشكل مباشر أو من خلف الستار.


شركات، تقول جورج، تراكم الثروة عبر إفقار الآخرين، وتدمر مقومات الحياة باسم النمو، وتقوض نسقية الطبيعة، وتفرض نموذجاً استهلاكياً هجيناً لا يعترف بالاستدامة، ولا بالحق في الخصوصية، ولا حتى بحدود الأخلاق. عالم تُدار فيه الحياة اليومية بمنطق الربح الخالص، بينما تُختزل الشعوب إلى أرقام في دفاتر الأرباح.


ويستحضر اليحياوي، بمرارة دالة، أن الموت لم يمهل سوزان جورج حتى تشهد اعتراف مالك منصتي فيسبوك و”إنستغرام”، حين مثل أمام مجلس الشيوخ الأميركي، معترفاً بأن شركة ميطا تلاعبت بخوارزمياتها لارتهان القاصرين وتحويلهم إلى آلة لإنتاج الأرباح.


ذلك الاعتراف المتأخر لم يكن سوى تأكيد عملي لما ناضلت سوزان جورج من أجله لعقود: أن السلطة الحقيقية لم تعد في يد الحكومات، بل في يد منصات وشركات عابرة للقارات، تشرّع لنفسها، وتحاسب ذاتها، وتُخضع المجتمعات لرغبات السوق.


لقد عاشت سوزان جورج، كما يخلص اليحياوي، من أجل فكرة مركزية واحدة: تحرير الشعوب من السلط الاقتصادية المفترسة وغير الشرعية، وإعادة السيادة إلى أصحابها الحقيقيين، لأن الشعب، في نظرها، هو المصدر الأول والأخير لكل شرعية.


رحلت سوزان جورج، لكن الأسئلة التي طرحتها لم ترحل، بل ربما أصبحت أكثر إلحاحاً اليوم، في عالم باتت فيه الديمقراطية واجهة، والسيادة سلعة، والإنسان مجرد “مستخدم” في منظومة رقمية لا ترى فيه سوى قيمة قابلة للاستهلاك.


وفي زمن يُكافأ فيه الصمت، ويُقصى فيه الفكر النقدي، يبدو رحيل أمثال سوزان جورج خسارة مضاعفة: خسارة صوت، وخسارة مرآة كانت تفضح ما يفضّل العالم ألا يراه.

 

هيبازوم، 20 فبراير 2026

hibazoom.com/article-201499/

قراءة المقال

يمكنكم مشاركة هذا المقال