تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

اليحياوي: حين تتحول الصلاة إلى محضر مخالفة وتتجاوز وزارة الأوقاف حدود الوصاية؟

هبة زووم – الرباط
 

يواصل الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي تفكيك ما يسميه كثيرون عبث القرارات وتضخم الرقابة الشكلية بالمغرب، عبر تدوينات لا تهادن ولا تبحث عن مجاملة، واضعاً الإصبع مباشرة على مواضع الخلل، وهذه المرة، اختار نازلة بدت للبعض هامشية، لكنها في عمقها تمس جوهر الدين والحرية الفردية: طريقة أداء الصلاة.


فبعد الجدل الذي أثارته “نازلة سيارات نقل أموات المسلمين”، يجد الرأي العام نفسه أمام جدل جديد لا يقل غرابة: “نازلة القبض والسدل”، حيث كشف المجلس العلمي الجهوي للدار البيضاء، في مراسلة رسمية إلى وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، أن عدد الحالات المرتبطة بأداء الصلاة بالقبض بلغ 1313 حالة، مقابل اعتماد السدل كطريقة رسمية لأداء الصلاة.


الرقم في حد ذاته، كما يتوقف عنده اليحياوي، ليس تفصيلاً عابراً. بل يطرح سؤالاً جوهرياً: كم من الوقت والجهد والمال العمومي صُرف لإحصاء وضعية أيدي المصلين؟ وما القيمة المضافة الدينية أو الاجتماعية أو الأخلاقية لمثل هذه المعطيات؟


في بلد يئن تحت وطأة اختلالات عميقة في التعليم والصحة والعدالة الاجتماعية، يبدو أن بعض المؤسسات اختارت الانشغال بتفاصيل شكلية، وتحويل العبادة من فعل روحي شخصي إلى سلوك مراقَب ومقنَّن.


الأخطر في هذه النازلة ليس فقط رصد “المخالفة”، بل المنطق الذي يحكمها، فالصلاة، في جوهرها، علاقة مباشرة بين الفرد وربه، تقوم على الخشوع والنية، لا على توحيد الحركات وفرض نمط واحد في مسائل فقهية مختلف فيها تاريخياً.


فهل من الضروري تنميط طريقة الصلاة؟ وهل يجوز تحويل الاختلاف الفقهي إلى خطأ إداري؟ ثم ما مصير المصلين الذين ينساقون خلف إمام “غير ملتزم بالطريقة الرسمية”؟


هنا يكشف اليحياوي مفارقة خطيرة: فالمخالفة تُسجَّل في حق الإمام، لكنها عملياً تُوجَّه للمصلين، لأن الإمام هو من يُطلب منه فرض الطريقة “المعتمدة”، وكأننا أمام إدارة للعبادة بمنطق التسلسل الوظيفي.


ولا تقف الأمور عند القبض والسدل، بل تمتد إلى لائحة طويلة من “الملاحظات”، تشمل: عدم الالتزام بالزي المغربي التقليدي، عدم قراءة الحزب الراتب أو الدعاء عقب الصلوات، ترك القنوت في صلاة الصبح، أسلوب رفع الأذان، عدم التقيد بمواضيع الخطبة الموحدة، وحتى عدم حمل العصا أثناء صعود المنبر.


لائحة تُحوّل الإمام من فاعل ديني إلى موظف مراقَب، وتحوّل المسجد من فضاء روحاني إلى مرفق إداري تحكمه دفاتر تحملات غير مكتوبة.


كما في تدوينته السابقة، لم يجد اليحياوي خاتمة أبلغ من إعادة نفس الرسالة الصادمة، موجهاً خطابه هذه المرة إلى المجلس العلمي الأعلى ووزارة الأوقاف: "استحيوا على أعراضكم.. لقد تجاوزتم في العبث".


عبارة قاسية، لكنها تختصر إحساس شريحة واسعة من المغاربة بأن هناك انفصالاً متزايداً بين ما يشغل المؤسسات، وما ينتظره المواطن من إصلاح حقيقي، عقلاني، يحترم الدين دون تحويله إلى أداة ضبط شكلي.


القضية ليست قبضا ولا سدلا، بل سؤال الحرية الدينية وحدود الوصاية، فحين تُختزل العبادة في طريقة، ويُختزل التدين في امتثال شكلي، فإننا لا نحمي الدين، بل نُفرغه من معناه، ونحوّله إلى إجراء قابل للإحصاء والتجريم.

 

هيبازوم، 26 فبراير 2026

hibazoom.com/article-202017/

قراءة المقال

يمكنكم مشاركة هذا المقال