فراس السواح، منشورات دار علاء الدين، دمشق، 2002، 402 ص.
إن القوالب التي ترشد الحس الديني لا تخرج بنظر الكاتب، عن الأمور الثلاثة التالية: المعتقد، الطقس، الأسطورة. إنها المكونات الأساسية للدين، وهي مكونات تكشف على وجود بنية موحدة للدين:
°- المعتقد، وهو "أول أشكال التعبيرات الجمعية عن الخبرة الدينية الفردية التي خرجت من حيز الانفعال العاطفي إلى حيز التأمل الذهني".
معنى هذا أن المعتقد هو الذي "يعطي للخبرة الدينية شكلها المعقول، الذي يعمل على ضبط وتقنين أموالها. فبعد تلك المواجهة الانفعالية مع القدسي في أعماق النفس، يتدخل عقل الإنسان من أجل صياغة مفاهيم من شأنها إسقاط التجربة الداخلية على العالم الخارجي وموضعة القدسي هناك".
المعتقد الديني هو شأن جمعي بالضرورة. عقول الجماعة هي التي تعمل على صياغته، كما تعمل الأجيال المتلاحقة على صقله وتطويره.
لا يمكن لشخص واحد أن يصك معتقدا، كما أن "دوام واستمرار أي معتقد يتطلب إيمان عدد كبير من الأفراد به، وإلا اندثر وفقد تأثيره حتى في نفس صاحبه".
يتألف المعتقد عموما من "عدد من الأفكار الواضحة والمباشرة، تعمل على رسم صورة ذهنية لعالم المقدسات، وتوضح الصلة بينه وبين عالم الإنسان، وغالبا ما تصاغ هذه الأفكار في شكل صلوات وتراتيل".
°- الطقس، وهو سلوك فردي حر، لكنه سرعان ما يتحول إلى أداء جمعي ذي قواعد وأصول مرسومة بدقة، "ويتم ربط الطقس بالمعتقد بدل ارتباطه بالخبرة الدينية المباشرة". وقد يتعايش الطقسان معا. "فإذا كانت الصلاة في المعابد وإنشاء التراتيل فيها هي النموذج الأكثر شيوعا للطقس المنظم، فإن لنا في حلقات الصوفية وما يؤدي فيها من موسيقى إيقاعية ورقص وتواجد".
°- الأسطورة، وهي التي تتميز بالجدية والشمولية، إذ "تدور حول المسائل الكبرى التي ألحت دوما على عقل الإنسان، مثل الخلق والتكوين وأصول الأشياء والموت والعالم الآخر".
الأسطورة ليست نتاج خيال فردي، أو حكمة شخص بعينه، بل إنها "ظاهرة جمعية تعبر عن تأملات الجماعة وحكمتها وخلاصة ثقافتها". كما أنها تتمتع بقدسية وبسلطة عظيمة على عقول الناس ونفوسهم.
ثم إن الأسطورة ترتبط "بنظام ديني معين، وتتشابك مع معتقدات ذلك النظام وطقوسه المؤسسة". هي بالتالي، "حكاية مقدسة مؤيدة بسلطان ذاتي"، وهذا السلطان يأتي من طريقة مخاطبتها للجوانب الانفعالية وغير العقلانية في الإنسان.
ولهذا، فإن الأسطورة تنشأ من المعتقد الديني، "وتكون امتدادا طبيعيا له. فهي تعمل على توضيحه وإغنائه...وتزوده بالجانب الخيالي الذي يربطه إلى العواطف والانفعالات الإنسانية".
لذلك، علا شأن أسطورة الخلق مثلا، في النظم الميثولوجية، وحيكت حوله حكايات وقصص وكتابات عدة. هذا يبين العلاقة الوطيدة التي تجمع الأسطورة إلى المعتقد ثم إلى الطقس باعتباره الجسر بين المتعبد وقوى قدسية معينة.
إن المعتقد والطقس والأسطورة هي المقومات المكونة للدين، والتي "لا نستطيع التعرف على الظاهرة الدينية في تبديها المجتمعي بدون التعرف عليها مجتمعة ومتعاونة".
إلى جانب هذه المكونات الأساسية، ثمة مكونات ثانوية لا تلعب دورا أساسيا في تكوين الدين، وإنما تظهر كعوامل مساعدة وهي: الأخلاق والتشريع (أو الشرائع)، وهي مكونات ثانوية، لكنها ذات وزن لا يستهان به.
نافذة "قرأت لكم"
25 دجنبر 2025