تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

آسفي والفيضان والرقم الممنوع: تدوينة اليحياوي التي أربكت المسكوت عنه

لا يزال الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي وفيًّا لنهجه النقدي الصارم في تشريح الواقع المغربي، دون مواربة أو مجاملة، مستثمرًا أدوات التحليل الأكاديمي في تفكيك التناقضات الصارخة بين الخطاب الرسمي والممارسة الفعلية.


فلا يكاد يمر يوم دون أن يثير نقاشًا عامًا بتدوينة تضع الإصبع على جرح سياسي أو حقوقي أو مؤسساتي، في زمن تتكاثر فيه الصدمات وتتسع هوة الثقة.


في هذا السياق، جاءت تدوينته الأخيرة تفاعلًا مع اعتقال شاب بمدينة آسفي، جرى توقيفه بسبب تشكيكه في الرواية الرسمية لعدد ضحايا فيضانات باب الشعبة.


واقعة تعكس، في نظر اليحياوي، إشكالًا أعمق من مجرد اختلاف في الأرقام، وتمس جوهر العلاقة بين الدولة والمجتمع، وحدود التعبير، وتأويل مفهوم "النظام العام".


وفق الرواية الرسمية، لم يتجاوز عدد الضحايا الأربعين، بينما ذهب الشاب المعتقل إلى أن الحصيلة أكبر من ذلك. هذا الاختلاف البسيط في العدد كان كافيًا لتحويل الرأي إلى "خبر زائف"، ومن ثم إلى متابعة قضائية انتهت بالسجن، بدعوى الإخلال بالنظام العام.


هنا، يتوقف اليحياوي عند المفارقة المنطقية: إذا كان "الخبر الزائف" هو ما لا يستند إلى الحقيقة، فكيف يمكن لرقم 41 أن يُعد زائفًا، بينما يُعتبر 40 حقيقة مطلقة؟ بل كيف يصبح 39 بدوره زائفًا بالمنطق نفسه؟ يفضح هذا الطرح هشاشة التعريف المتداول للأخبار الزائفة، حين يُختزل في رقم رسمي يُمنح صفة الحقيقة النهائية، وما عداه يُجرّم، لا يُدحض.


غير أن المعضلة الحقيقية، في نظر الباحث، لا تكمن في مفهوم "الخبر الزائف" بقدر ما تكمن في الاستدعاء الفضفاض لمفهوم "النظام العام".


فهذا التعبير، كما يؤكد، ليس بريئًا ولا محايدًا، بل هو مفهوم أمني بامتياز، مطاطي الدلالة، يُفكَّك ويُعاد تركيبه داخل دهاليز السلطة التقديرية للأجهزة، لا في فضاءات النقاش العمومي أو الإعلامي.


ويحذر اليحياوي من أن أي نقاش حول الأخبار الزائفة، إذا لم يُحسم بمنطق حقوقي وقانوني واضح، سيظل رهين "اللمسة الأمنية"، حيث يصبح التأويل هو الحَكم، لا الوقائع.


وهو ما يجعل الكثير من النقاشات الإعلامية حول المعلومة الزائفة مجرد تمارين نظرية، ما دامت لا تستحضر ميزان القوة في تحديد المعنى، ولا الجهة التي تمتلك "الغلَبة في التأويل".


تدوينة اليحياوي لا تدافع عن رقم، ولا عن شخص بعينه، بقدر ما تطرح سؤالًا جوهريًا: هل نعيش زمن حماية الحقيقة أم زمن احتكارها؟ وهل صار الاختلاف في المعطى مدخلًا لتجريم الرأي بدل تصحيحه بالمعلومة الدقيقة والشفافية؟


إنها أسئلة محرجة، لكنها ضرورية، في سياق يتزايد فيه توظيف المفاهيم الفضفاضة لضبط المجال العام، بدل توسيعه، ويُختزل فيه النقاش العمومي في سقف الرواية الرسمية، لا في حق المجتمع في المعرفة.

 

هيبازوم، 22 دجنبر 2025

https://www.hibazoom.com/article-197465/

قراءة المقال

يمكنكم مشاركة هذا المقال