أثار التصريح الأخير لوزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، الذي توعّد فيه المتورطين في نهب المال العام واغتصاب الملك العمومي بإرجاع ما استحوذوا عليه "طوعًا أو بالقوة"، موجة واسعة من النقاش والغضب، خصوصًا بعد تعليق الأستاذ الجامعي والباحث في السياسات العمومية يحيى اليحياوي، الذي اعتبر أن ما جاء على لسان الوزير "إقرار ضمني بوجود لوائح دقيقة للصوص المال العام" لدى مصالح الوزارة.
اليحياوي، المعروف بقراءة دقيقة لمفاصل السلطة، طرح سؤالًا صادمًا: إذا كانت الوزارة تتوفر على قوائم بأسماء من سطوا على الملك العام لعقود، فلماذا ظلت محميات الفساد قائمة؟ ولماذا بقي هؤلاء فوق المساءلة؟
خطاب يوحي بأن الوزارة تمتلك جردًا دقيقًا بالأسماء وبحجم ما نهبه كل واحد، وأن مرحلة التساهل انتهت أو توشك على الانتهاء.
واعتبر اليحياوي في تعليق لافت أن الوزير بدا وكأنه يخير المختلسين بين التوبة أو الإكراه، وهو بذلك يعترف ضمنيًا بأن الإدارة تعرف جيدًا هؤلاء "الفاعلين"، وتعرف أين يوجد المال المسلوب وكيف هُرّب، ومن يستفيد منه.
ويكتب اليحياوي بحدة المعتاد: "لا تفاوض مع حرامية الملك العام. من نهب عامًا واحدًا أو عشرين، عليه أن يرد المال ويحاسب بأثر رجعي، ثم يعاقب بالغرامة أو بالسجن".
لكن المفاجئ بالنسبة إليه ليس مضمون التهديد، بل كون هذا التصريح يصدر من وزير الداخلية تحديدًا، وهو الجهاز الذي —كما يقول اليحياوي— "من عاشر المستحيلات أن تخفى عليه خافية"، فلو أرادت الوزارة الضرب بيد من حديد، "فالأسماء موجودة، والملفات حاضرة، والأرصدة معلومة، ومسارات الاغتناء الفاسد مكشوفة".
ويضيف اليحياوي، بلهجة لا تخلو من السخرية السوداء: "كان عليه أن يقول لهم: انتهى زمن التستر الذي جعلكم كبار القوم وأنتم مجرد لصوص وقطاع طرق… لا حماية لكم بعد اليوم. أعيدوا ما سرقتم وادفعوا ثمن سنين الاستغلال التي حولتم فيها الوطن إلى مشاع لكم ولأبنائكم".
ويضرب الباحث مثالًا صارخًا من "الغرب المنسي"، حيث تحوّل – في نظره – تجار الحمير والدجاج والحبوب الفاسدة إلى "سادة" المجتمع، لا يرد لهم طلب، رغم أن كثيرين منهم "من أعفن خلق الله" كما عبّر بحدة.
خطاب لفتيت إذن، كما يراه اليحياوي، هو لحظة فارقة: إما بداية مرحلة المحاسبة الفعلية، أو مجرد رسالة سياسية تبقى في حدود الوعيد دون العبور إلى التنفيذ.
والسؤال الذي يبقى معلقًا: هل اقتربت ساعة سقوط "كبار المختلسين"، أم أن الدولة ما زالت تلوّح بالعصا دون أن تُنزلها؟
هيبازوم، 10 نونبر 2025
https://www.hibazoom.com/article-194646/