جان جاك روسو (ترجمة عبد الله العروي)، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء/بيروت 2012، 134 ص.
في تقديمه لهذا العمل الكلاسيكي الهام، يلاحظ العروي أن المقارنة بين الفكرين الغربي والإسلامي، لا يمكن أن تستقيم منهجيا إلا "في إطار زمني محدد، أي قبل الثورة التي زعزعت أركان أوروبا في نهاية القرن 18، وبكيفية أدق قبل ما سمي باكتشاف الزمن لا في بعده الفلكي والنفساني، بل في بعده المادي الملموس".
بعد هذا التاريخ ،يرى الكاتب أنه من العبث التنقيب عن توافق في الجزئيات، حتى وإن تطابقت تماما التعابير والألفاظ، بين مفكر غربي وآخر إسلامي، إذ "لم تعد المفردات (عقل، وجدان، بداهة، فرد، حق، عدل...الخ) تحمل المضمون نفسه".
يميز روسو حسب العروي، "بين إنسان الطبيعة (كما خرج من يد صانعه) وإنسان الإنسان كما شكله المجتمع بواسطة التربية والتعليم، عبر نشر العلوم وتلقي الفنون. سعيد بطبعه، شقي بثقافته، نجاعة في نبذ الزخارف المكتسبة والعودة إلى براءته الأولى. الإسراف في مجال المعرفة والذوق لا يزيد الإنسان إلا انسياقا للشهوات وتباعدا عن أخيه الإنسان".
ولذلك، فهو يرى أن "المطلوب ليس ترميم ما فسد، بل الإعراض كليا عما سبق، وتشييد المجتمع مجددا، على أساس ما يوحي به الطبع والوجدان".
يلخص الكاتب مقولات روسو في جملة واحدة: "الإيمان في خدمة النفس، الدين في خدمة المجتمع، المجتمع في خدمة الفرد".
فردانية روسو بنظر العروي، تقول بأن "الفرد لا يسعى إلا لضمان سعادته، وأعلى صور السعادة هي رضا النفس على ذاتها. هذا هو أهم أركان الحداثة".
ثم يلاحظ أن روسو "لم يكن يحمل أي عداء مبدئي للديانة الإسلامية، بل أكبر الظن أنه ربما أدرك أن مفهوم دين الفطرة أقرب إلى عقيدة الإسلام منه إلى اليهودية أو المسيحية".
ومع ذلك، فهو يرى أن السؤال الذي طرحه روسو هو: "ما هو شكل التعبد المناسب لمجتمع يعتقد أنه وجد في علم الماديات بديلا كافيا شافيا عن الدين التقليدي؟".
ما عقيدة جان جاك روسو؟ يتساءل المترجم. يقول على لسان قس: إن "تجربتي تثبت أن ضميرنا لا ينفك يطيع أوامر الطبيعة ويعاكس كل قوانين البشر". المجتمع قد يحظر فعلا ما، لكن الطبيعة تبيحه، "فلا يوبخنا الضمير إلا توبيخا خفيفا".
ويلاحظ على لسان صاحب الكتاب، أن "ما اطمأن إليه قلبي من دون تردد، اعتبرته حقيقة بديهية، وكل ما ترتب في نظري عن هذه الحقيقة، حكمت بأنه صحيح... وغير ذلك وضعته بين المنزلتين، لا أقره ولا أنفيه، بل لا يعنيني توضيحه إن كان لا يؤدي إلى منفعة ثابتة".
إن الحقيقة تكمن في الأشياء وليس في الأحكام التي يصدرها العقل بشأنها. كلما احترز المرء في الحكم، اقترب من الصواب. العقل نفسه يقر قاعدة "الميل مع الذوق دون الخضوع لأوامر العقل".
يقول الكاتب: "من يظل على الفطرة ويعيش عيشة بسيطة، يتعرض لقليل من الداء ولا يكاد يعرف ما المرض أو الشهوة مثلا، فلا يترقب الموت ولا يشعر به وهو يباغته...لو رضينا بوعينا لما ندبنا حظنا، لكننا نلاحظ ملاذ وهمية، فنجني ألف ضرر حقيقي. من لا يصبر على القليل من الألم، يتعرض حتما للكثير منه. من يخشى الموت كل يوم، يعجلها ويزيدها بشاعة". ويتابع: "أيها الإنسان لا تبحث عن أصل الشر، فاعله أنت لا أحد سواك. لا شر في الكون إلا مما تفعل أو ما تتحمل، هذا وذاك صادر عنك. شر عام ينشأ حكما عن فوضى شاملة، ولا أرى في الكون سوى النظام".
عندما يموت الإنسان، تنفصل الروح عن الجسد، "يعود كل منهما إلى وضعه الطبيعي". عندما "تزول حواجز الجسد وبشائر الحواس، ونتحرر من الأوهام المتولدة عنها، عندئذ نسعد برؤية الكاتب الأعلى ونغتبط بما يتدفق من خلاله من حقائق أزلية".
ويتابع: "كلما اجتهدت لفحص جوهر اللامتناهي، زدته غموضا وعجزت أكثر فأكثر عن تصوره. إلا أنه بالنسبة لي موجود وهذا كاف. كلما تراجع فهمي، زاد خشوعي".
إن لكل شعوب الأرض شعائر دينية متباينة، لكنها تتقاطع في المفاهيم: العدل، المروءة، تعريف الخير والشر...الخ.
ثمة شيء يولد مع الإنسان: إنه الضمير. الشعور فينا سابق على العلم. ثم إننا "لا نقصد الخير ونعرض عن الشر بالتعلم، بل بعزيمة أودعتها فينا الطبيعة، فإن الإقبال على الطيب والنفور من الخبيث، شعوران طبيعيان فينا، بقدر ما هو طبيعي حب الذات".
ويخلص الكاتب إلى القول بأن الخالق يريدنا "أن نعبده بحق وبصدق...أما عبادة الظاهر، حركات الأعضاء، إن كان لا بد أن توجد تفاديا للتناثر والفوضى، فتلك مسألة نظام وسياسة، ولا تستلزم أي وحي".
لذلك، لا فارق بين الأديان من هذه الزاوية، إذ ما هو حق عند هذا لا يمكن أن يكون باطلا عند ذاك. ويخلص للقول عل لسان صاحب الكتاب: "إن كان في دين الفطرة عيب، فهو الغموض الذي يحيط بحقائقها العليا. ودور الوعي هو بالضبط رفع الحجاب عن تلك الحقائق بأسلوب بسيط، قريب من عقول البشر. أن يجعلها في متناولهم، وأن يهب لهم القدرة على تمثلها حتى يصدقوا بها".
نافذة "قرأت لكم"
16 أكتوبر 2025