تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"قبل السقوط"

فرج فودة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1985، 190 ص.

يقول المؤلف في استهلال الكتاب: "لا أبالي إن كنت في جانب والجميع في جانب آخر. ولا أحزن إن ارتفعت أصواتهم أو لمعت سيوفهم...إنما يؤرقني أشد الأرق، أن لا تصل هذه الرسالة إلى من قصدت. فأنا أخاطب أصحاب الرأي لا أرباب المصالح، وأنصار المبدأ لا محترفي المزايدة، وقصاد الحق لا طالبي السلطان".

يبدا المؤلف بالتذكير بأن ثلاثة خلفاء راشدين اغتيلوا: الأول (عمر) على يد غلام مجوسي، وإثنان على يد مسلمين متطرفين...كل ذلك في أزهى عصور الإسلام وأكثرها اقترابا من أصول العقيدة. الإسلام زمن الخلفاء الراشدين ومن بعدهم، لم ينزل على ملائكة، بل على بشر مثلنا، منهم من جاهد وارتفع إلى أعلى عليين، ومنهم من ضعف. لذلك، فلا مجال هنا للتقديس أو وضع أعمالهم ضمن المعجزات والأساطير.

لنأخذ نموذج علي بن أبي طالب مثلا، فقد كان رجل دين لا رجل دولة، رجل حكمة لا رجل سياسة، رجل آخرة لا رجل دنيا، فانتهى إلى مواجهة رجل فريد، قطب سياسة فذ وعاشق للدنيا بلا شبهة ولا مراء. هذا كله لا يدل على وجه العظمة في سلوكه واتخاذنا له قدوة. ومع ذلك، يجب الإقرار بأن اغتيالهم لا ينتقص من قدرهم ولا من مكانتهم.

ومعنى ذلك أن المجتمع المثالي لا يمكن أن يتحقق، حتى وإن كان ثمة رجال مثاليون. ومعناه أيضا أن المرء لا يملك إلا أن يميز بين الإسلام الدين والإسلام الدولة. الأول رسالة والثاني دنيا. وقد نظمت الرسالة أكثر من باب، وتركت أبوابا أخرى على أساس أن البشر أعلم بأمور دنياهم. إعمال العقل هنا أساسي، وهو لا يتعارض مع قواعد الدين الصحيح، بل هو مؤيده وسنده إذا صدق القصد وسلمت النية.

ثم إن القول بأن هذا من غضب الله وذاك من رضاه عنا، فذاك أمر مسلم به، لكن البحث في الأسباب يعفي المرء من هذا الطرح. فالفساد ليس غضبا من الله، بل هو من فعل أيدينا، وعلاجه في الدين أيضا، لا سيما لو احتكمنا إلى أعظم ما يهبه الدين لنا: وهو الضمير.

ولذلك، فإن المؤلف إنما يرى أن فصل الدين عن السياسة، إنما من شأنه أن يحقق صالح الدين وصالح السياسة على حد سواء. لكن هذا لا يعني "تجاهل الدين كأساس من أسس المجتمع". أما فصل الدين عن السياسة، فمثله مثل ما قام به عثمان بن عفان عندما أغدق العطاء على ذويه والمقربين منه، ومنع ذلك على آخرين، وضمنهم صحابة أسماؤهم لوامع كأبي ذر الغفاري وعبد الله بن مسعود وغيرهما.

هل هذا من دين أم من سياسة؟ من هنا الفارق بين الإسلام والمسلمين. الأول مقدس وإلهي، والثاني قابل للخطأ لأنه بشري ودنيوي.

المثال الثاني هو مثال واقعة الجمل زمن الخليفة علي بن أبي طالب، حيث كان علي وصحبه في طرف، والسيدة عائشة زوجة الرسول (ص) ومعها طلحة والزبير في طرف آخر. وقد كان الطرفان في صراع بالسيوف. أيمكن هنا أن يجتمع الطرفان على باطل؟ الجواب صعب، لكن الأمر كان أمر سياسة وحكم وليس أمر دين.

إذا كان الأمر مع هؤلاء، وقد كانوا صدر الإسلام الأول ومن المبشرين بالجنة، فكيف سيكون الحال مع من هم أدنى مقاما ومكانة؟

ثمة حقيقة أخرى يقف عندها الكاتب، وهي أن فقهاء الإسلام كانوا أكثر من عانى من بطش الحكام والساسة. فأبي حنيفة سجن وعذب زمن الخليفة المنصور، وضرب بالسياط. والسبب ليس معارضة الخليفة، بل لأنه رفض ولاية القضاء "تنزها منه عن الدخول في حاشية السلطان"، ثم سجن ثانية لأنه رفض هدايا الخليفة. سحب وضرب بالسياط وهو في السبعين من عمره. لقد كان الخليفة المنصور يقول: "أنا الإسلام والإسلام أنا".

وبناء عليه، فإن الخلافة في زمن المنصور كانت أمر دنيا لا أمر دين وأمر سياسة لا أمر شرع إلهي.

نفس الحادثة وقعت مع الإمام مالك، إذ يذكر أن والي المدينة زمن المنصور أيضا، أمر رجاله فضربوه وجروه بالقوة وألزموه الإقامة بمنزله لا يخرج منه حتى للصلاة. وقد أنكر الخليفة ذلك وأعاد الاعتبار للإمام مالك. وقد شفع له بعده عن بغداد، مقر الخلافة، تماما كالإمام الشافعي الذي كان مقيما بمصر، لكنه لم يسلم من ظلم الوالي حيث أوعز لفتيانه بضربه، ثم حمله على جمل والطواف به بعدما تم حلق لحيته وشاربه ورأسه، ومنعوا الناس من أن تصلي خلفه. وقد بقي على ذات الحصار إلى أن توفي.

أما الإمام ابن حنبل، فقد حبسه المعتصم في السجن الكبير في بغداد، وضرب بالسوط وتم ربطه بالأغلال نحو عامين ونصف من الزمن.

هذا ما وقع للائمة الأربعة، وقد "ملأوا الدنيا علما وفقها وحكمة. وقد كان الحال زمن العباسيين أيضا. هؤلاء الخلفاء كانوا عظاما بمقياس كونهم رجال دولة وفاتحين، لكنهم لم يكونوا كذلك بالدين.

 ينبه الكاتب هنا، إلى أن قوله هذا سيجر عليه غضب البعض وتكفير البعض الآخر، لكنه يؤكد أنه لن يتوانى عن قول الحق أمام جهل القصد.

ويلاحظ الكاتب من جهة أخرى، أن 13 قرنا من تاريخ الإسلام تبين أن المعارضة غالبا ما كانت تواجه بالسيف. ويؤكد بأن تطبيق الشريعة لا بد أن يقود حتما إلى "حكم بالحق الإلهي لا يعرفه الإسلام أو قل عرفه فقط في عهد الرسول، والحكم بالحق الإلهي لا يمكن أن يقام إلا من خلال رجال دين إما بصورة مباشرة أو غير مباشرة".

إن دعاة تطبيق الشريعة لم يحددوا لنا نظام الحكم في الإسلام وأسلوب تولية الحاكم: "هل يتم بالانتخاب كما حدث بالنسبة لأبي بكر في سقيفة بن ساعدة، أم بالاستخلاف كما حدث لعمر، أم بالاختيار من مجموعة محددة كما حدث لعثمان، أم بأخذ بيعة أغلب الأمصار...أم بالغلبة على الآخرين بحد السيف، كما حدث لمعاوية، أو بالوراثة كما حدث ليزيد".

إن الكاتب يرفض "تغيير مسار المجتمع إلى دولة دينية يحكمها من يتصورون أنفسهم اوصياء على الدين، ولا يرون المستقبل إلا من وجهة نظر ضيقة وأحادية الاتجاه وشديدة التعصب والتخلف في ذات الوقت".

ويعتقد أيضا أن للمفكرين في العالم العربي، مسؤولية كبيرة في النمو المتزايد للتيار السياسي الإسلامي، لأنهم "حددوا مناطق محرمة للحوار أو النقاش، منها ما هو تاريخي مثل ما يتعلق بحوادث التاريخ الإسلامي، ومنها ما هو سياسي مثل واقع الحياة السياسية في الدول التي تطبق ما تدعي أنه النظام الإسلامي".

نافذة "قرأت لكم"

12 يونيو 2025

يمكنكم مشاركة هذا المقال