نبيل راغب، دار غريب للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، 2004، 475 ص.
يقول الكاتب ببداية هذا البحث: إن الصحافة الصفراء ليست وصمة، خاصة "إذا كانت تلجأ إلى عناصر الإثارة والتشويق والضرب على الأوتار الانفعالية، دون التورط في حيل التضليل الإعلامي وأحابيل الكذب والخداع".
ويلاحظ أن خلفية هذه الصحافة إنما هي خلفية تجارية خالصة...وهو ما جعل الصحافة التي تنوء بقيود العراقة والوقار والمحافظة والنزاهة، تلجأ لذات السلوك، وذلك في مواجهة صحافة "تتلاعب بالانفعالات الساخنة للجماهير وتحصل على نصيب الأسد من التوزيع والإعلانات".
لقد ثبت دائما، يتابع الكاتب، أن "العقلانية تخسر كثيرا في مواجهة الطاقات والشحنات الانفعالية لدى السواد الأعظم من الجمهور. فقد تخسر في الوقت نفسه الرواج التجاري، بما ينطوي عليه من تدفق رؤوس الأموال التي تعد المعيار الفعلي لنجاح الصحيفة أو فشلها".
والسر في ذلك، بحسب المؤلف، إنما يكمن في أن السلطة في النظام الرأسمالي، "ليست على استعداد لدعم أو مساندة أية صحيفة ماليا، إذا كانت على وشك الإفلاس، مهما كان تاريخها عريقا، وسجلها زاخرا بالصدق والتنوير والتثقيف واحترام عقل القارئ. وكم من صحف أميركية عريقة أفلست وأغلقت أبوابها واندثرت دون أن تعلق السلطة أو الإدارة على هذا الانهيار مجرد تعليق عابر، إذ إن الموضوع لا يهمها في كثير أو قليل".
بالتالي، فقط استطاعت هذه الصحافة في الولايات المتحدة مثلا، مكان ولادتها ونشأتها، أن تزدهر لا بل وتغري الصحافة في البلدان الأخرى بمحاكاتها. هذه الصحافة حالة خاصة بنظر الكاتب، إذ "ليست هناك مثل عليا أو تقاليد عريقة تضع نفسها في خدمتها حتى لو أدت إلى خرابها، وإنما هناك حيل والاعيب وابتكارات وقفزات تضع نفسها في خدمة السبق الصحفي بأي ثمن".
وعلى هذا الأساس، فلم يكن هناك أي حرج أو "حساسية في تحويل المجال الصحفي على سوق أصبحت فيه الصحف والجرائد والمجلات مجرد سلع خاضعة لقوانين العرض والطلب، ولا تبحث عن الحقيقة بل تلهث وراء كل أنواع الإثارة والتهييج والتسلية وغير ذلك من الوسائل الكفيلة بزيادة التوزيع، الذي يؤدي بدوره إلى زيادة الإعلانات المنشورة".
إن هذه الصحافة لا تراهن دائما على الكذب أو التضليل، لأنها التهمة التي غالبا ما تلصق بها. إنها باتت تراهن على السبق الصحفي، لأنه "يحمل في طياته أسرارا أو حقائق فعلية اكتشفها الصحفي أو المخبر أو المراسل بنفسه قبل أن يدركها الآخرون، وبذلك تحرز الصحيفة قصب السبق بتقديمها الأسرار والحقائق المثيرة لأول مرة لقرائها".
لقد تحول الصحفيون إلى رجال شرطة، يقدمون المعطيات قبل التحقيقات ويدينون قبل ثبوت التهمة. بالتالي، فإن العديد من أخلاقيات المهنة قد تم دوسها، لا سيما التثبت من المعلومة والتدقيق فيها وفي مصداقيتها.
ذلك أن "قوانين السوق هي التي تحكم صراعات الصحافة الصفراء، وكما يحتكر التاجر سلعة ما لا يستطيع الآخرون الحصول عليها".
نافذة "قرأت لكم"
27 يونيو 2024