ببداية هذا الشهر، شهر شتنبر العام 2023، حل زلزال مدمر بمنطقة الحوز بالمغرب. كان الناس نيام، فلم يستطيعوا تدارك الوضع أو تجنب بعض أهواله، فكانت المحصلة عشرات المئات من الضحايا، وآلاف البيوت المدمرة والعوائل التي أضحت برمشة عين، دون مأوى ولا زاد. ومن شدة الضربة/الأصل، ثم الضربات الارتدادية التي تلتها، فقد أحس بها المغاربة على بعد آلاف الكيلومترات، فانتابهم الفزع وباتوا في العراء، تماما كضحايا الحوز أو أكثر.
يقع الحوز في منطقة جبلية بالأطلس الكبير، معقدة التركيبة الجيولوجية والتضاريس. لذلك، لم تكن سبل الإنقاذ الأولية ممكنة، لا سيما وأن المنطقة تضم مئات الدواوير الموزعة على جغرافيا واسعة، شبه منعزلة عن العالم الخارجي، اللهم إلا سبل الاتصال بالهواتف النقالة.
بيد أن الذي أثار الانتباه حقا، وقد انزاحت صدمة اليومين الأولين، إنما حجم التضامن منقطع النظير الذي أبان عنه المغاربة، تلقائيا وتطوعا ودون إشارة أو تحفيز من أحد. هذا تضامن بمال وذاك تضامن بزاد، حتى غصت المنطقة بشتى أشكال ما تستوجبه الحاجيات الأساسية من مأكل ومشرب ووسائل تطبيب وملابس وأغطية وما سواها.
الدولة بدورها لم يقتصر دورها على تقديم الإعانات الأولية بجهة إنقاذ من هم تحت الأنقاض، بل سيرت سبلا مختلفة لنقل المصابين للمستشفيات القريبة، والتكفل بالباقين بمعسكرات وخيام أشرف عليها الجيش مباشرة، بفرقه في الإنقاذ والمساعدة والتطبيب.
ومع ذلك، فإن حجم ما قدمه المواطنون من معونة عينية ونقدية من خلال حسابات فتحت لهذا الغرض، يتجاوز بكثير حجم ما قدمته الدولة، لدرجة لاحظنا معها تواجد جمعيات المجتمع المدني بالميدان، أكثر بكثير من تواجد ممثلي السلطة أو أعوانها. لا بل إن ما قامت به هذه الجمعيات ببعض المناطق المتضررة، يشي بأنها تعرف تضاريس المنطقة بالجملة والتفصيل أكثر مما تعرفه عنها السلطة التي تدعي أنها تضبط المجال ولا يخفى عنها شيء بالمرة.
يعنيني هنا أن أسجل مرة أخرى، أن قيمة التضامن كانت أقوى وأنجع في تدبير الفاجعة والتخفيف عن ضحاياها. بيد أن هذا لا يعني ولا يجب أن يعني أن تتحلل الدولة من التزاماتها بإزاء جزء من مواطنيها أصابتهم كارثة كبرى، فوجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها، عرضة للعراء ونقص الغذاء والدواء وسبل الإيواء.
يبدو الأمر كما لو أنه استعيض عن السياسات العمومية لفائدة قيمة فضلى، لا يمكن للمرء أن يتبرم عنها، لكنه لا يستطيع أن يتخذ منها أداة تدبير للفاجعة، وإلا فستبدو الدولة كما لو أنها في حل من تدبير جزء من الكارثة، بدعوى تكفل المجتمع المدني وباقي مكونات الشعب في الإيفاء بها.
ومعنى ذلك أنه إذا كان التضامن العفوي قيمة إنسانية مثلى، فإنه لا يجب أن ينوب عن سياسات عمومية مقصرة أو غير ذات وقع مباشر على الأرض، لا سيما عندما تكون المصيبة أكبر من أن ينسق تدبيرها أفراد أو جمعيات.
يجب أن تكون هذه السياسات هي القاعدة، لأنها من واجب الدولة ومن مسؤولياتها الكبرى، فيما يبقى التضامن فعلا استثنائيا، يساعد أو يعاضد أو يكمل. بالمقابل، لا يجب أن تسوق مجهودات التضامن كما لو أنها جزء من سياسة عمومية قائمة. أبدا. التضامن فعل تطوعي خالص، قد يتم وقد لا يكتمل. في حين إن السياسة العمومية فعل واجب قار، السلطة ملتزمة به في زمن الكوارث، دع عنك في أزمنة الشدة الأخرى.
ولذلك، فلا يمكن أن نؤسس لسياسة عمومية بوجه الكوارث، انطلاقا مما قد يقدمه المواطنون أو تتكفل به جمعيات المجتمع المدني. يجب أن نؤسس لها بخلفية أن الدولة هي الفاعل الأول والأخير في كذا كوارث ومحن.
نافذة "رأي في الشأن الجاري"
18 شتنبر 2023