تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"البحث عن الإنسان: الدين، التقنية، الهوية"

خالد عزب، برنامج الدراسات الاستراتيجية، شرفا، الإسكندرية، 2017، 42 ص.

بمقدمة هذا البحث، يتحدث الكاتب عن مبدأ التنظيم الهرمي وكيف كان خلف تكون المجتمعات وتشكل الدول، ثم بروز مفهوم السلطة وفي صلبها مفهوم الطبقات.

هذا البناء التدريجي لتراتبية الطبقات داخل المجتمعات، هو الذي أدى إلى إحكام الطبقات الحاكمة لقبضتها عليها، وفق تقنيات في السيطرة تطورت بتطور المجتمعات وتعقد تركيبتها.

في تتبعه لمعطيات تركيز السلطة في الحضارات الأولى (مصر، العراق، الصين...الخ)، يلاحظ الكاتب أن "تنظيم الري وتوزيع المياه أديا إلى نشوء حضارات سلطوية مركزية، وفي المناطق القاحلة كشبه الجزيرة العربية، أدت السيطرة على المياه إلى سطوة القبائل المسيطرة عليها".

وقد خلف تطور المعرفة عبر الرحلة والتنقل تبادلا تجاريا كبيرا، مكن من تراكم وتركيز الثروة بيد الطبقات الحاكمة.

ويلاحظ الكاتب أنه "بعد سبعة آلاف سنة ويزيد من الحضارة، استطاع الإنسان أن يعيش أفضل من أسلافه. فشبكات المواصلات المتعددة جلبت لنا الأطعمة والمشروبات من كل أنحاء العالم بصورة جعلت الحياة غير رتيبة، وهذا ما يجعل الإنسان المعاصر أكثر سعادة من ملك حكم في العصور الحجرية...لكن هل الإنسان في عصرنا لديه قناعة وراض عن حياته؟".

ويتابع: "إذا كنا نعيش أفضل من ملوك العصور الوسطى من حيث الإمكانيات والرفاهية، فهل النخب الحاكمة، مع ما تمتلكه من القوة العسكرية والثروة، راضية كذلك؟ أم أن السيطرة وحب المزيد من الثروة سيهدد أمن الإنسان؟".

من جهة أخرى، يلاحظ الكاتب أن كل مجتمع ينتج من يحترف فيه الفكر والثقافة والكتابة أو ما يمكن تسميته ب"من يحترف القول الثقافي الأسطوري أو المقدس". وتكمن وظيفة هؤلاء في إنتاج الخطابات الضامنة لهوية الجماعة والقيم المركزية السائدة فيها في الزمن والمكان.

لقد كان للصين طبقة موظفين وللهند أصحاب الرؤى والحكماء، ولليونان الفلاسفة وللحضارة الإسلامية الفقهاء وأهل الرأي والعلم...إنهم جميعا يرسخون هوية المجتمع، فيصيغوا "عبر الأساطير أو الحكايات أو الرؤى الثقافية للمجتمع والعالم، رؤية مجتمعاتهم لذاتها وللآخر".

وهؤلاء هم من يسهم في تشكيل أو إعادة تشكيل قيم المجتمع وهويته. بيد أن التطور التقني وتواصل المجتمعات قد أدى إلى تداخل لهذه القيم، لدرجة باتت جزءا منها مهجورة أو عرضة للتراجع والاضمحلال. ولعل أشكال العزلة الفردية زمن الإنترنيت وشبكات التواصل الاجتماعي خير دليل على ذلك، لدرجة أن "دور العبادة التي كانت تحتشد بالمصلين في أوقات الصلاة، أصبحت شبه فارغة إلا في أيام الجمعة أو في صلاة التراويح في رمضان"، وأصبحت صلة الرحم لا تتم إلا ببعض المناسبات المعدودة، وقاد كل ذلك إلى ما يشبه "موت العاطفة الإنسانية في المجتمع".

ويذهب الكاتب حد طرح الإشكالية بالصورة التالية: "هل تتغير العلاقات الاجتماعية استجابة للتغيرات التي تحدثها التكنولوجيا بكافة أشكالها، وهل يتغير معيار القيم لكي يتكيف مع التغيرات الحادثة؟".

هنا يأتي دور الدين، حيث يعتبر الكاتب أن للدين هيمنة كبيرة على الإنسان. إنه قادر على التأثير فيه وتغيير سلوكه. ودليله في ذلك أن "أتباع الديانات بازدياد مطرد مع مرور الزمن، أما أتباع الفلسفة فهم كالمد والجزر، في ذبذبة مستمرة".

لذلك، يرى أن أزمة المجتمعات المعاصرة هي "أزمة مجتمعات تبحث عن هويتها"، وتدرك أن هناك تهديدا قاسيا لهذه الهوية. نرى ذلك بالبلدان الغربية، حيث تزايد مد اليمين والعنصرية، ونراه بالمجتمعات الإسلامية عبارة عن تقوقع حول الدين كآخر ملجأ للهوية.

لذلك، يلاحظ الكاتب في الخلاصة، بأن التطور التكنولوجي وتقدم مد العولمة، إنما يشكلان فرصا ومصدر تهديد للهويات في الآن معا. وهذا أمر يحتاج في نظره إلى تدقيق وإلى تمحيص.

نافذة "قرأت لكم"

27 يوليوز 2023

يمكنكم مشاركة هذا المقال