كتبت في هذا الموضوع كثيرا، تماما كما كتب غيري حوله أيضا. فهو موضوع حي، لا يتقادم. لا بل قل هو من المواضيع التي تزداد راهنيتها مع الزمن، وتزداد أهمية التذكير بها وقد اشتدت الحاجة إلى الكفاءات المعرفية والعلمية والتكنولوجية، في بناء الاقتصادات والنهوض بالأمم.
بيد أن الموضوع قد يبدو مكرورا بالنسبة للبعض، على الأقل من زاوية أن أسبابه ودوافعه ودواعيه وما يترتب عنه، لم تعد مكمن أخذ ورد. باتت من المسلمات التي تشارف على البديهيات. وهذا قول صحيح في جزء كبير منه، إذ لم تنجح بلدان العالم الثالث مثلا، في استنبات بيئة حاضنة لكفاءاتها بالداخل والخارج، بل كرست واقع بيئة طاردة، تفر منها كفاءات الداخل، ولا تجد كفاءات الخارج من بد في ذلك، إلا التشبث بمواقعها حيث هي، أي ببلدان الشمال، في أوروبا وأميركا وفي بعض بلدان آسيا.
بالحالات مجتمعة، نحن بإزاء نزيف حقيقي لمقومات التنمية والنهوض. لا يروم التلميح هنا إلى عدد الأطباء المتخصصين والمهندسين وعلماء الطبيعة وغيرهم، بل أيضا تلك التخصصات المصاحبة لهذه المجالات، من ممرضين وتقنيين وأصحاب التكوينات المهنية المرتبطة بالصيانة والكهربة والألكترونيات وما سواها.
لا يستطيع المرء، من زاوية المغريات الشخصية الخالصة، إلا أن يتفهم خلفيات قرار من يهاجر. إذ مجرد وضع المرء لمقارنة بسيطة بين أن يبقى أو أن يهاجر، سيرجح كفة الهجرة لا محالة، اللهم إلا إذا كان ما يحفز المرء على البقاء يتجاوز على المقارنة وسبل الاختيار. أما ما سوى ذلك، فكل الكفة تذهب لصالح قرار الهجرة، قياسا إلى قرار البقاء في بيئة قد لا يستطيع المرء تحمل ثقلها إلى ما لا نهاية.
بالآن ذاته، لا يستطيع المرء، من باب الإغراءت الخاصة أيضا، إلا أن يتفهم من يتابع دراسته بالخارج، ويقرر عدم العودة للوطن/الأم. فظروف العمل والترقية مواتية بكل المقاييس، وضمانات العيش الكريم متوفرة، وسبل التطوير الذاتي في مراكز البحوث أو في المختبرات متاحة. بالتالي، فقرار البقاء أولى وأحق، لا سيما وهو يعلم علم اليقين، أن ظروف الاستقبال والعمل، إن قرر العودة للوطن، لن تليق بمقامه، ولا يمكنها أن تمنحه الحد الأدنى مما يفترضه تكوين وعلمه وخبرته.
هذا من باب المغريات الشخصية لهذا ولذاك. بيد أن الأمر لا يقاس بنفس الشاكلة من منظور التكلفة والتبعات بالنسبة للبلد/الأم. إذ غالبا ما يتم تضييع هذا الأخير في تكلفة تكوين هذه الكفاءات ورعايتها ولربما المراهنة عليها لدى التخرج. أما وأنها تهاجر أو تستقر بعد إتمام دراستها بالخارج، فثمة ما يدعو للتحسر حقا، لا سيما لو كان هؤلاء من أصحاب التكوينات العالية أو التخصصات الحساسة كالطب مثلا.
من المفزع حقا ألا يتم الوعي بهذه الرهانات من لدن الحكومات، خصوصا وأنها تعاين رحيل كفاءاتها دون عودة، لا بل لا تبذل الحد الأدنى من الجهد كي توفر لها شروط العودة، والعمل في ظل ظروف تضمن لها الأبسط في غياب البسيط.
لن نكون من هؤلاء الذين تأخذهم الحمية، فيتحاملون على هؤلاء ويعتبرونهم "ناكري نعمة". ولن نكون من أولئك الذين، بفرط في الوطنية زائف، يطالبون الكفاءات إياها، أو بعضا منها على الأقل، بضرورة "التضحية" بالمغريات الشخصية الثابتة، نظير القبول بالعودة، والاشتغال في ظل مغريات أقل. هذا سيكون من لدننا من باب المزايدة، ولن يقدم الطرح القائم في شيء.
نحن لا نحفز أحدا على الهجرة، فالناس تبحث على باب رزقها حيثما وجد، فتطرقه. ولن ننفر أحدا من وطنه إن أراد أن يبقى بين ظهرانيه، ويقبل بما هو قائم ومتوفر.
لدينا قناعة تترسخ يوما عن يوم، بخصوص هذه المسألة. ومفادها أنه من العبث الاستمرار في طرح المسألة من باب جدوى البقاء أو الهجرة والاستقرار بالخارج. الأولى أن نرى كيف نستنبت بيئة الاستقطاب لهؤلاء وأولئك. لا يمكن أن تقنع طبيبا بالبقاء إذا لم توفر له مقومات العمل والعيش الكريم. ولا يمكن أن تقنع مهندسا بالبقاء إذا علمت أنه سيقضي جزءا من عمره بمكتب مهجور، أو بمؤسسة لا يتوافق تكوينه مع مهامها ووظائفها.
طالما لم يتم التسليم بهذه الجزئية الجوهرية، فإن أي خطاب في هجرة الكفاءات سيبقى عقيما، منسلخا عن واقع الحال.
نافذة "رأي في الشأن الجاري"
24 يوليوز 2023