في ندوة بيناير من العام 2023، قال الأستاذ محمد الساسي بأن المغرب ليس ديكتاتورية ولا هو بالبلد الديموقراطي. به هامش ديموقراطية ضيق، تعمل السلطة على تسويقه باعتباره الديموقراطية، فيما تجهد "القوى الحية"، أو ما تبقى منها، على توسيعه ليصبح ديموقراطية كاملة مكتملة. ثم يلاحظ بعد ذلك أنه حتى هذا الهامش، على ضيقه، قد تمت مصادرته، جراء سيطرة ما يسميه "العقل الأمني" الطارئ على العقل السياسي الثابت. هامش يضيق ويضيق، حتى أضحى تضييقا مباشرا على الأفراد والجماعات.
لا يمكننا هنا إلا أن نقاسم محمد الساسي ما ذهب إليه، إذا لم يكن في التفاصيل الدقيقة، فعلى الأقل في التشخيص العام.
فالمغرب ليس ديموقراطية مكتملة الأوصاف والمواصفات، ولا هو بالدولة الديكتاتورية التي ترفع لواء البطش، أو يعتبرها الآخرون كذلك. صحيح أن ثمة بناء مؤسساتيا يشي في مظهره بملامح الديموقراطية، من برلمان وهيئات منتخبة وتقسيم للسلط منصوص عليه ومعتمد، لكن وجود هذا البناء ولأكثر من خمسين سنة، لم ينفخ من روحه في المنظومة العامة كي تحول الآليات إلى ثقافة سياسية متجذرة، لا يمكن التجاوز عليها أو النكوص عنها.
يقال إن ثمة مكتسبات تم إدراكها بقوة التدافع، الخشن منه والناعم على حد سواء، وضمنها البناء أعلاه، لكنها تبقى هشة وإجرائية ولا تراهن إلا على المظهر، في تبرم واضح عن الجوهر. نكاد نذهب حد القول بأن كل الآليات الديموقراطية متوافرة وقائمة، لكن الديموقراطية مغيبة ومعلقة.
بالمقابل، لا نستطيع أن نجزم بأننا بإزاء منظومة ديكتاتورية، لأن العديد من مظاهر حرية التفكير والتعبير متوافرة، والمؤسسات الكبرى، من أحزاب ونقابات وجمعيات، قائمة غير محجور عليها، والقضاء لا يحكم إلا بناء على ما يسن من قوانين وتشريعات، والتناوب على السلطة، على علاته ونواقصه، ثابت وجاري على محك من الانتخابات والتباري الحر على أصوات المواطنين.
وعلى هذا الأساس، فلا يمكن أن نجزم حقا بأننا بإزاء ديموقراطية، ولا يمكن أن ندعي بأننا نعيش في ظل نظام ديكتاتوري. هناك شيء من هذا وشيء من ذاك، حتى وإن كان هذا "الشيء" يضمر التضاد والتمنع.
ولذلك، فما أسماه الأستاذ الساسي ب"الهامش الديموقراطي" هو الذي نحن بإزائه. والهامش الديموقراطي المقصود لا يقاس بناء على منسوب نجاعة المؤسسات القائمة، منتخبة ومعينة على حد سواء، ولا بالاحتكام إلى ممارسة سياسية لم تكتمل بعد. القصد بهذا الهامش هو هذه المساحة الرمادية التي لم نستطع الخروج منها ولا حسم صيرورتها بهذا الاتجاه أو ذاك. نحن بإزاء سلوك يحيل تارة على بعض من الديموقراطية، لكنه يحيل في الآن ذاته على العديد من أشكال الديكتاتورية، بما هي تمركز للسلطة وللقرار. معنى هذا أننا لا نستطيع مثلا أن نعاين ولا أن نعين اتجاه البوصلة ولا منسوب تموجها بهذا المنحى أو ذاك.
ومع أن هذا الهامش محدود وتكتنفه النواقص من أمامه ومن خلفه، فإن السلطة تسوقه باعتباره ديموقراطية كاملة مكتملة، في إشارة إلى أنه أقصى ما يمكن تقديمه والقبول به، فوجب بالتالي التسليم بأنه الديموقراطية حتى وإن كان "جزءا" منها فقط لا يبنى عليه في الحصيلة الإجمالية عند "الاحتساب".
إنها تقوم بتسويقه في الداخل على أساس كونه منتهى ما يمكن "السماح به"، وتقوم بتسويقه في الخارج باعتباره "الكمال الديموقراطي" الذي لا يمكن المزايدة بشأنه.
على النقيض من ذلك، ثمة من القوى من لا يقنعها لا ما هو مقدم بالداخل، ولا ما هو مسوق له بالخارج. إنها تلح على أن ما تم إدراكه لا يعدو غير كونه هامشا، لا بد من توسيع نطاقه على مستوى الممارسة السليمة، التي تعمل على تزكية ما هو إيجابي، لكن مع العمل على القطع مع السلوكات التي تقف في وجه ذات التوسيع، فما بالك بالمد الديموقراطي برمته.
ولعل إحدى المداخل في ذات الطرح إنما العمل على القطع مع "العقل الأمني" الذي هيمن على مفاصل الدولة وبات يقوم مقام "العقل السياسي"، على مستوى اتخاذ القرار، كما على مستوى تصريفه سواء بسواء.
بالتالي، فطالما بقي البعد الأمني هو المحدد بالبداية وبالمحصلة النهائية، فإن الهامش الديموقراطي ذاته سيصبح مهددا، لا بل وسيصبح "المستوى التابع" عوض أن يكون هو "المستوى المتبوع".
البعد الأمني ضروري ولازم، لكن لا يمكن القبول به كمستوى قائم الذات، مستقل عن صاحب القرار السياسي، الذي يجب أن يقوده ويوجهه.
بيد أننا نلاحظ أن المستوى السياسي القائم حاليا، راض تمام الرضا عن تغول العقل الأمني، لا بل يراهن عليه في تدبير الشأن العام. إنه يزكيه ويطمئن له. وما دام الأمر كذلك، فلن يبقى لهذا الهامش الديموقراطي ذاته من مساحة حركة تذكر. سيصبح رهينة مستوى لا تقاس به الديموقراطية، بل يحيل في سيرته وسلوكه على الديكتاتورية.