احتفلت عشرات الأسر المغربية بعيد الأضحى المبارك بطعم المأساة الحقيقية، أياما قلائل فقط قبل حلول العيد، وخلاله دون أدنى شك. لم يسبق لنا، حتى في ظل الجفاف العام وندرة القطيع، أن عاينا مستويات في غلاء الأضحية تضاهي مستويات ما عشناه هذه السنة، والعيد على الأبواب.
لقد عاينا أناسا بالأسواق تائهين، لا يلوون على شيء مما هو أمامهم أو من خلفهم. وعاينا آخرين، يشتكون ويحتجون و"يهددون" باحتمال تركهم لإحياء الشعيرة، إذا استمر حال السوق على ما هو عليه، من غلاء ومضاربات وندرة القطيع وقلة ذات اليد. وعاينا فئات أخرى تراهن على الأيام الأخيرة، عل السوق يتزود، وتتراجع الأسعار.
بالمقابل، لم نعاين تدخلا يذكر من لدن الدولة، لا في تزويد الأسواق، ولا في ضبط أسعارها ولا في تحييد نفوذ المضاربين الذين لا يقيمون حرمة لهذه الشعيرة المميزة. حتى تلك الرؤوس من الأغنام التي تم استقدامها من الخارج، لم يتم تسويقها أو لم يكن ما تم تسويقه منها كاف للتخفيف من وطأة الغلاء، أو ضبط إيقاع العرض من بين ظهرانيه.
لو كان ثمة من تقصير يذكر، فيجب إرجاع الجزء الكبير منه للسلطات. هي التي لم تكلف نفسها عناء التدخل بغرض ضمان أضحية بأسعار مناسبة للناس. لقد تركتهم وجها لوجه مع عرض متواضع، ثم مع تجار جشعين، تدثروا برداء ارتفاع أسعار الأعلاف، لينفخوا في الأسعار نفخا، ويحولوا عشرات الآلاف من الأسر إلى رهائن حقيقيين.
تتذرع الدولة هنا بأنها لا تتدخل في آليات السوق، من منطلق أن هذا الأخير محرر وعقلاني وسيحيل حتما على شكل من أشكال التوازن بين العرض والطلب، ينصف من يعرض السلعة ولا يمس بقدرة من يقتني. بيد أن هذا الطرح لا يستقيم دائما، لا سيما وأن الدولة تعلم مستويات تواضع العرض وتزايد منسوب الطلب.
في صلب كل ذلك، لا يمل الدعاة و"المبشرون" و"أهل النصح" في التذكير بأن هذه الشعيرة هي سنة مؤكدة فقط، وألا حرج على من لا يستطيع مجاراتها، لا بل بمقدوره، إن انعدمت الاستطاعة من بين يديه، أن يتجاوز عليها بالجملة والتفصيل.
وهذا كلام سليم، إذ ذبيحة عيد الأضحى هي سنة مؤكدة حقا، ولا جناح على من تركها. لكنه كلام حق يراد به باطل. لا بل قل هو باطل يشارف على النفاق، لأن هؤلاء يدركون أن المغاربة لا يستطيعون التبرم عن سنة نبوية، حتى وإن كانت مؤكدة فقط وغير ملزمة.
ثم إنهم يدركون أن شعيرة عيد الأضحى باتت في جزء معتبر منها، عرفا لا يمكن الاستغناء عنه. ونستطيع أن نجزم أنها باتت من طبيعة التدين المغربي نفسه، القائم على ما تواتر من أحاديث الجماعة والسنة، ما استقر منها وما تم اعتماده من لدن "أهل الاجتهاد".
ثم إن شعيرة الأضحية هي في جزء مهم منها أيضا، طقسا اجتماعيا، باتت تتوارثه الأجيال، حتى وإن خف منسوب الأخذ به عند أهل المدن.
يبدو بالخلاصة العامة، أننا عشنا خلال شهر يونيو من العام 2023، تحت وطأة لهيب في الأسعار لا يطاق، وعلى إيقاع كلام فقهاء ومشايخ لا يستحضر واقع الحال...
نافذة "قرأت لكم"
3 يوليوز 2023