تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"واقعة إحراق المصحف الكريم"

أقدم المغرب، ضمن بلدان عربية وإسلامية أخرى، على استدعاء القائم بالأعمال السويدي، للاحتجاج على متطرف، قيل إنه من جنسية عراقية، أحرق المصحف الكريم فوق التراب السويدي. وهو سلوك الحد الأدنى في تصورنا، لكنه الأقصى في العلاقات بين البلدان في نوازل شبيهة أو قريبة من الواقعة المذكورة.

في حيثيات الاستدعاء، يبدو أن المغرب انطلق في قراره، من واقع أنه بلد عربي ومسلم، معني بالواقعة، ولا يمكنه أن يكتفي بتنديد هنا أو استهجان هناك. كان لا بد، أو هكذا نفهم، أن يعبر عن استنكاره بموقف رسمي "جاد"، يبلغ من خلاله للسلطات السويدية، أن الأمر قد تجاوز حده، وأنه بات يهدد العلاقات الدبلوماسية بين البلدين. هذا هو القصد من استدعاء السفراء الأجانب، أو المناداة على السفراء المعتمدين في البلد المعني بغرض "التشاور".

قد تكون نازلة إحراق المصحف الكريم من لدن مواطن من أصول عراقية، تحصل بالسويد على الجنسية أو على حق اللجوء والإقامة، قد تكون حالة فردية شاذة، بالإمكان محاصرتها وتحييد المقدم عليها، واعتبارها بالتالي من العوارض.

بيد أن الأمر، في هذه الواقعة، ليس كذلك بالمرة، إذ ظفر المواطن "السويدي" بحماية أمنية رسمية، مكنته من تنفيذ ما عزم عليه بكل اطمئنان، لا بل وقام بتصويره وتمريره بوسائل الإعلام ووسائط الاتصال المختلفة.

يقال هنا وهناك، بأن السويد بلد ديموقراطي، ملزم باحترام حقوق الأفراد والجماعات وحمايتها وصونها. ويقال بأن ما أقدم عليه الشخص هو من باب ممارسته لحريته، كما يمارس غيره الحرية ذاتها في إحراق هذا الكتاب المقدس أو ذاك. هذا جائز وقد يذهب المرء حد التسليم به.

لكن ما أقدم عليه هذا الشخص لا يدخل في مضمار حرية التعبير مطلقا، وإلا لسلمنا قطعا بألا حدود للحرية إياها ولا متاريس، ولسلمنا أيضا بأنه من مجال الحرية أن يتم التشهير بأعراض الناس، أو المس بسلامتهم البدنية وبما يعتقدون. سنكون والحالة هذه، بإزاء قاعدة ستسمو فيها الحريات الفردية على الحريات الجماعية، دع عنك المقدسات والمعتقدات وممارسات الناس لشعائرهم.

ولذلك، فليس من الحرية في شيء أن يقدم المرء على تجسيد سلوك يعتبره حقه المطلق، فيما هو يدوس بذلك على حقوق الآخرين. ستكون الحرية هنا، وهي أقصى مستويات التحرر الإنساني، ضررا ومسا بحقوق الآخرين، أفرادا وجماعات.

صحيح أن ما أقدم عليه "المواطن السويدي" قد تم في ظل ما استقر عليه القانون هناك. لكن القانون إياه يشدد على حماية الفرد، ويتبرم عن حماية الجماعة، حتى وإن كانت طائفة أو أقلية، أو صاحبة مصلحة. أما وقد تجاوز الأمر على حقوق الآخرين، فلكأنه يصرف النظر عنهم، حتى وإن طالهم الضرر.

أثار انتباهي وأنا أتابع تموجات ردود الفعل المختلفة، أن إحراق المصحف الكريم قد بات سلوكا دوريا منتظما، ولكأن من يقدم عليه يراهن أساسا وحصريا، على استفزاز مشاعر الملايين، أو مؤاخذة كتابهم المقدس بجريرة ما يقدم عليه بعض من أبنائه المتطرفين، أو المتشددين، أو المناهضين للغرب.

بيد أن ما يثير الانتباه أكثر أن حدة الاحتجاج في هذه الحالات، غالبا ما تكون انتقائية ولا تخضع لنفس الاعتبارات أو "الحسابات". لقد عاينا متطرفين صهاينة يقدمون على تمزيق المصحف الكريم من أسابيع قليلة، ولم نر احتجاجا رسميا من هذه البلد العربي/الإسلامي أو ذاك. لم نسمع تنديدا ولا قرأنا استهجانا، ولا عاينا استدعاء للسفراء بالبلدان التي بات لها مع إسرائيل علاقات دبلوماسية قارة، أو لها بعثات رسمية تشتغل من وراء ستار.

بالتالي، فإنه من المستغرب حقا ألا يتم الاستهجان إلا في حالات محدودة، مع أن عملية إحراق المصحف الكريم، قد باتت ظاهرة شبه عامة بأوروبا كما بأميركا وإسرائيل.

هل معنى هذا أن المصلحة تسمو على المعتقد، وتنفيه إن تعارض معها؟...جائز، لأن الدول لا تقاد دائما بمرجعية المعتقد...   

يمكنكم مشاركة هذا المقال