تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"التطبيع في حدوده القصوى"

الدولة المغربية تدفع بالتطبيع مع إسرائيل إلى حدود لم يكن المرء ليتصورها. هذا تقديرها وهذا موقفها، إذ لها (الدولة أعني) حساباتها وترتيباتها، واعتباراتها في معنى الربح والخسارة. ولها أيضا رهاناتها، قريب الأمد منها كما متوسطه وبعيده.

نحن غير مطالبين بتبني خيارها ولا الاصطفاف حولها، وإلا فسنكون حتما ضمن نطاق الدولة الشمولية التي تسير بمنطق الرأي الأوحد. فما قد يبدو صائبا بالنسبة للدولة (وللسلطة عموما) قد لا يتقاطع دائما مع ما يذهب إليه المواطن أو يرتضيه. وما قد يبدو إكراها بالنسبة للدولة، قد لا يعتبره المواطن كذلك، فلا يقتنع به ومن ثمة لا يجاريه.

بيد أننا لا نعلم بالتحديد ما السر في هذا الاندفاع الكبير خلف "التطبيع الشامل" الذي ركبت ناصيته الدولة المغربية، منذ التوقيع على "الاتفاقية الإبراهيمية" وإعادة فتح مكتب الاتصال الإسرائيلي بالمغرب.

يكاد المرء لا يعثر على مجال لم يطله مسلسل التطبيع، قياسا إلى طبيعة المسؤولين الإسرائيليين الذين تعاقبوا على زيارة المغرب: في الجانب العسكري والأمني، في الجانب البرلماني، في الجانب الاقتصادي، في الجانب الثقافي والفني، في الجانب العلمي والتقني وهكذا.

يبدو كما لو أن كل الترتيبات كانت قائمة و"مهيأة" من قبل، ولم تكن الاتفاقية أعلاه، إلا الأداة التي حركت قابلية كانت متوفرة بقوة، ولم تكن تنتظر إلا إشارة "الخروج للملأ"، لتتحول إلى سياسات وقرارات.

ما سر العجلة في الدفع بعلاقات المغرب بإسرائيل؟ ما الهدف وما الحكمة؟...يتذرع البعض بملف الصحراء المغربية، وأنه لولاها ما ذهب المغرب حد اقتناء عتاد إسرائيلي واستقبال قادة عسكريين من مستوى رفيع، وإشراك فرقة للنخبة الإسرائيلية في مناورات الأسد الإفريقي الأخيرة.

هذا اعتقاد وارد، لكن إسرائيل لا تزال تتلكأ في الاعتراف بمغربية الصحراء، ولا تستعجل الأمر، بل تدفع في كل وقت وحين، بمبرر أن الأمر "لا يزال قيد الدراسة". معنى هذا أن إسرائيل لا تزال تنتظر "ثمن الاعتراف"، وأن ما تم بلوغه في علاقاتها بالمغرب، لم يبلغ بعد المدى المطلوب والمرغوب، وأن مستوى التطبيع لم يبلغ بعد درجة إغراء إسرائيل بالاعتراف.

إسرائيل تعي جيدا أن لكل شيء ثمن، وأن ثمرة الاعتراف بمغربية الصحراء لا بد أن تكون جيدة، حتى وإن تأخر موسم جني الغلة. من يدري، فإسرائيل تراهن على بوابة جديدة لإفريقيا الغربية وجنوب الصحراء. ثم إنها لا تريد صيدا واحدا، ما دام بالإمكان تحصيل أكثر من صيد. أعني هنا أن أعين إسرائيل متجهة بالتحديد، من خلال المغرب، للجزائر، حيث يكمن "الرهان الأكبر".

لا يمكن أن نفسر تلكؤ إسرائيل في الاعتراف للمغرب بصحرائه، إلا بهذه النقطة، وهي بكل الأحوال "الغنيمة" (الاعتراف أقصد) التي راهن عليها المغرب وهو يوقع الاتفاقية بإشراف الأميركان.

ما الذي جنيناه لحد الساعة قياسا إلى ما تحصلت عليه إسرائيل؟ لم نجن شيئا ذا قيمة، اللهم إلا زيادة متواضعة في حجم المبادلات، وبعض السياح الإسرائيليين من أصول مغربية، وبعض الزيارات التي لا نعرف تفاصيل ما دار فيها. الثابت هنا أن المغرب الرسمي لم يكن يدرك ما ترتب له إسرائيل. تصور أن اعتراف ترامب بمغربية الصحراء، بتغريدة على التويتر عابرة، كاف ليضمن احترام إسرائيل لمضامين ما أقدمت على توقيعه.

إذا كانت العبرة بالتواقيع، فما القول في اتفاقات أوسلو التي التزمت فيها إسرائيل مع الفلسطينيين بمنحهم بعض المناطق المحصورة والمحاصرة، ولما أوقعتهم في الشرك، تبرمت عنها بالجملة والتفصيل، لتبدأ في عمليات استيطان واسعة نسفت جراءها كل ما تم الاتفاق عليه؟

ثم إذا كانت العبرة بالإمضاءات، فما الذي تحصلت عليه مصر أو الأردن من إسرائيل بعد عقود من الاعتراف والتطبيع الرسمي؟

يبدو كما لو أن المغرب سقط ضحية عملية نصب مكتملة الأركان. لم يكن من النباهة وقوة الاستشراف ما يمكنه من التدقيق في "تقدير الموقف" وتحليل تبعاته ونتائجه، حتى إذا ما "وقعت الفاس في الراس"، وجد نفسه يستجدي اعترافا قد يأتي وقد لا يأتي.

المغرب لا يحتاج لاعتراف من إسرائيل؟ ما حاجته إليه أصلا؟ ما الذي سيضيفه لملفه، لا على أرض الواقع ولا بردهات الأمم المتحدة، فما بالك بمستويات القرار في البلدان الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة؟

يجب أن نقتنع ونعترف بأن المغرب لا يحتاج لإسرائيل...هي التي تحتاجه...

يمكنكم مشاركة هذا المقال