تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"عن أطروحة المساواة أمام القضاء"

هل نحن متساوون أمام القضاء؟ بكل تأكيد، على الأقل من الناحية المبدئية الخالصة...بدليل أنه بمقدورنا جميعا أن نلجأ للمحاكم، لاستصدار أحكام تنصفنا أو نعيد بموجبها ما سلب منا من حقوق. هذا حق دستوري ثابت،لا منة فيه لأحد على أحد. ثم هو حق تلقائي لكل الناس، بصرف النظر عن طبيعة مستوى التقاضي الذي نلجأ إليه. ثم هو حق مقدس، لأن رب العالمين هو نموذج العدل المطلق بين عباده.

بيد أننا غالبا ما نسمع هنا أو هناك، بأن التساوي أمام القضاء، لا ينفي أن يكون ثمة من القضاة من لا يشرف الرسالة دائما، فيظلم ويبطش ويلوي عنق الحقائق، إما مقابل رشوة أو تحت ضغط وابتزاز، أو نظير رهانات شخصية يضيع جراءها وفي ظلها، مبدأ التقاضي النزيه والشريف، فتضيع في أعقابه حقوق الناس ومصالحها.

المساواة هنا تضيع ويطالها التعسف، بسبب سلوك ليس من القضاء مباشرة، لكنه محسوب عليه، أو متدثر خلفه، أو موظف لآلياته.

ولما كان العدل هو أساس الملك، فإن القضاء هو المؤتمن عليه بالجملة والتفصيل. هو الذي يقوم بوظيفة تصريفه بين المتنازعين، فينصف الظالم ويردع المظلوم، ويرسم القدوة للباقين. ولذلك، كان التشديد، في المواثيق الدولية تحديدا وفي الدساتير، على ضرورة ضمان المحاكمة التي تضمن العدل أو تحيل عليه.

لا يدخل في نطاق المحاكمة العادلة، الإجراءات الشكلية الخالصة فحسب، والتي في احترامها تضمن حقوق المتقاضين، بل أيضا استحضار روح القانون حيث تتجلى فلسفته وتبرز مقاصده. لا قيمة لحكم قضائي، والحالة هاته، إذا لم يراع أصول المحاكمة العادلة. سيكون إلى الشطط في استعمال القانون أقرب منه إلى إعمال النص التشريعي، كما اتفق عليه ممثلو الأمة وارتضوه شريعة بين الناس.

ضمان المحاكمة العادلة هو من صميم اختصاص القضاة. هم المؤتمنون عليه، بنهاية المطاف، وهم القيمون على إعماله. بيد أن عدم تجسيده لا يطال مستوى القضاء. إنه يطال بعضا من القضاة الذين قد يزيغون عنه، أو يحرفونه أو يوهمون به بإجراءات شكلية لا يعتد بها في القرار.

هذا في زاوية استصدار الأحكام، وآلياتها وضماناتها. بيد أن العديد من القرارات القضائية المبرمة لا تجد طريقها للتنفيذ دائما. فنجد من المتقاضين من ينفذ فيه الحكم بمجرد النطق به...ومنهم من عليه أحكام نافذة، لكنه لا يزال يجول في الشوارع والأسواق، حرا طليقا. لا بل قد نعاين أسماء صدرت بحقها أحكاما نافذة تستوجب الاعتقال والإقصاء من الحياة العامة، ومع ذلك تم غض الطرف عنها، لتبقى بمنصب المسؤولية أو تترقى أو تتقدم في هذه الأخيرة درجات.

العيب هنا ليس في القضاة، فما بالك بالقضاء، كما قد يذهب بنا الاعتقاد. العيب في الجهة التي عليها أن تنفذ أحكامه وقراراته، فتماطل أو تتهاون، أو تصرف النظر لهذا الاعتبار أو ذاك.

لا يروم التلميح إلى تعذر تنفيذ الأحكام القضائية المبرمة لهذا السبب أو ذاك، بل يروم إثارة مسألة الاستقلالية التي من المفروض أن يتمتع بها القضاء (والقضاة أيضا) في علاقاتهم بالجهاز التنفيذي من جهة، وفي مدى تأثير لوبيات المصالح على توجهات قراراتهم.

إن مسألة استقلالية القضاء جوهرية وحاسمة. إذ هي ضمانة المحاكمة العادلة، وتكريس المساواة أمام القضاء. أما إذا استبعد بعد الاستقلالية، فلن يكون ثمة من أثر لا لمحاكمة عادلة ولا لعدل، فتبدو حينها مقولة "العدل أساس الملك"، مجرد مادة للاستهلاك.

نافذة "رأي في الشأن الجاري"

5 يونيو 2023

يمكنكم مشاركة هذا المقال