تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"إدانة على الملأ"

أيا تكن الأفعال المنسوبة إليهم، وهي ليست جرمية بكل الأحوال، فإن متابعة بعض الأساتذة المتعاقدين، ثم إدانتهم بعقوبات حبسية نافذة أو موقوفة التنفيذ، أمر معيب بكل المقاييس...الأمر هنا لا يتعلق بشريحة من المواطنين لهم مطالب فئوية ضيقة أو خاصة. يتعلق تحديدا بمعلمين وأساتذة مؤتمنون على النشء في الحال وفي المحال. خاصية الشريحة إياها هي التي تعطي لاحتجاجاتها خاصيتها وتميزها عما سواها من حركات احتجاجية.

من المفارقة حقا أن يتابع هؤلاء بتهم عامة، مضببة المضمون هلامية الطبيعة:

°- فتهمة "عرقلة السير بالطريق العمومية" تهمة مطاطة، قد تطال تجمعا بزقاق، وقد تذهب حد إلصاقها بوقفة عادية لإثارة الانتباه ليس إلا. الطريق العام نفسه مكمن تأويل، إذ ما قد يعتبره البعض "طريقا مشتركا"، قد يبدو للبعض الآخر فضاء تعبير. وعليه، فقد يختلف التأويل ويتم تضييق نطاقه ليصبح المجال العام مجرد طريق لعبور المركبات والمارة.

يبدو بهذه الجزئية، أن المشرع لم يستحضر فلسفة ومضامين ما يسميه علماء الاجتماع ب"الفضاء العام"، فحصره في الطريق العام، ليتحول مجال التعبير والتدافع والاحتجاج، إلى مجرد مجال جغرافي بالتعرض له مس بحرية الآخرين.

يجب أن يعمد القانون إلى رسم نطاق الفضاء العام حتى يضمن للناس التعبير عن مختلف أشكال تعابيرهم وإيصالها لصاحب القرار. إنه مجال الفعل والتفاعل الذي تلجأ له منظمات المجتمع المدني لتبليغ صوتها وتكريس مطالبها.

°- أما تهمة "إهانة رجال القوة العمومية"، فهو تعبير غير دقيق أيضا. إذ وجب تحديد القصد من القوة العمومية، وتحديد معنى الإهانة التي أوردتها اللوائح والتشريعات الجارية. ليس من الموضوعي في شيء أن تتم متابعة المرء لمجرد كلام عابر تفوه به، أو تلميح صدر منه، أو إشارة قد يقهم منها أنها مهينة.

عندما ندرك أن السلطة هي التي تدفع بجهة تحريك المتابعة بهذا الخصوص، فإن الحاصل أن سبل الإثبات تبقى مكمن تأويل، وقد يذهب الاجتهاد حد اعتبار أي تمنع في الامتثال أمرا مهينا يستوجب المتابعة. يجب هنا أيضا أن تحدد المصطلحات بدقة، وألا يضيق مجالها حتى تصبح أداة لتغول الدولة على الأفراد والجماعات.

 °- ثم إن تهمة "التجمهر غير المسلح بدون رخصة" هي تهمة جزافية أيضا، قد تطال بضعة أنفار وقد تمتد لتشمل مجموعة، لا رابط بينها مجتمعة إلا رفع يافطة أو التفوه بشعار. الخلفية الثاوية هنا هي للتعبير عن رأي عام مشترك، وليست الغاية تجمهرا من أجل التجمهر.

أما مسألة "الرخصة"، فهي تجاوز في جزء كبير منها، إذ الأصل هو الإخبار وليس طلب رخصة تنظيم وقفة، فما بالك تظاهرة احتجاجية، وهل سيمنح الترخيص تلقائيا أم يكون الأمر مثار ترتيبات أمنية، إن تم إعمالها دائما، فلن يستطيع أحد النزول للشارع.

القضاء في الحالات كلها، يصدر أحكامه وفق ما تستوجبه القوانين. إنه مقيد في قراراته، لكن ضبابية النص و"مرونته" قد تدفع ببعض القضاة إلى اجتهاد قد لا يكون منصفا، وقد يذهب حد مماراة السلطة. القضاء لا يبث إلا فيما فيه نص، لكن ما السبيل لديه إذا كان في الأمر لبسا يستوجب القياس، وقد يكون قياسا ضارا أو مجحفا أو ماسا بمصالح الناس.

أنا على استعداد للقول بأن العديد من القوانين الجارية متخلفة وتفتقر للمصداقية، لأن من صاغها بالبرلمان يفتقر هو نفسه للمصداقية...ما معنى "عرقلة السير بالطريق العمومية"؟ ولكأن المفروض هو أن يحتج هؤلاء في ربوع الصحاري حيث لا طريق يسلك ولا قوة عمومية "تهان"...

أسقط البرلمان من تصوره، وهو يشرع، أن ثمة شيئا إسمه "الفضاء العام"، صكه علماء الاجتماع والسياسة ليعكس كل أشكال التعبيرات والاحتجاجات والمواقف من الشأن العام...ثم ما معنى التجمهر بدون رخصة؟ ألم يكن من الأنصف هنا أن يتم الاكتفاء بإخبار السلطات، عوض استدرار تقديرها للحصول على رخصة قد تأتي مرة، وترفض عشرات المرات؟...

 ثم ما معنى "إهانة رجال القوة العمومية"؟ ألسنا هنا أيضا بإزاء تعبير مطاط، لا نستطيع التمييز فيه بين الأشكال التي قد تأخذها هذه الإهانة... بالكلمة أم بالغمز واللمز أم بها مجتمعة؟...نحن بالمجمل، بإزاء قوانين متجاوزة، لأنه إن تم الإمعان في إعمالها بجفاف وجفاء كما في حال الأساتذة المتعاقدين، فقد ندان جميعا، اللهم إلا إذا لزم المرء بيته وأمسك لسانه...واستعان بالصبر والصلاة فقط...

يمكنكم مشاركة هذا المقال