تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"عندما تتم الاستهانة بالقضاء"

ثمة العديد من الملفات الكبرى التي تراوح مكانها بردهات المحاكم ولسنين طويلة. قد يبث في بعضها، وقد تحفظ، وقد تبقى في باحة الانتظار حتى يطالها النسيان. وثمة من الأحكام الصادرة عن مختلف المحاكم، من لا يجد طريقه للتنفيذ، فلا يقتص من أصحابها، ولا يجد المتضررون سبيلا لتفعيلها. وثمة صنف من الأحكام، تصدر في قضايا محددة، يبث فيها بسرعة، ثم تصاغ وتجد طريقها للتنفيذ دون تأخير.

لا نتحدث هنا عن الاكتظاظ، ولا عن ضعف الموارد من القضاة للبث في القضايا في آجال معقولة، تنصف المظلوم وتردع الظالم. ولا نتحدث عن القضايا البسيطة التي قد تتيه مساراتها في مساطر وإجراءات متنوعة، ولا يجد المرء تفسيرا لتلكؤ من بيده "الملف". نحن نتحدث هنا عن "القضايا الكبرى" التي ترفع للمحاكم، فتتأخر في تصريفها أو تبث فيها أحيانا، ولو بعد مدة طويلة، لكنها لا تجد طريقها للتنفيذ بالسرعة المطلوبة.

إننا نتحدث عن رؤساء جهات ومجالس بلدية وقروية ومجالس إقليمية، أدينوا في جرائم فساد موثقة، بغرامات وعقوبات حبسية نافذة، ومع ذلك لم تطلهم مسطرة الاعتقال ولا تحركت آلة العزل في حقهم. ونتحدث عن "مسؤولين كبار" بثت ضدهم محاكم الاستئناف، ولا تزال ملفاتهم معمرة بمحكمة النقض لسنين طويلة، دون تحريك. ونتحدث عمن تمت إدانتهم في هذا المستوى من التقاضي أو ذاك، ومع ذلك "أجيز" لهم أن يترشحوا في الانتخابات التشريعية والجماعية، ففازوا واستلموا "المنصب" دون أن تحرك الدولة ساكنا.

يمكن أن نستشهد هنا بنماذج عدة، لمسؤولين جماعيين، ومسؤولي جهات ونواب برلمان ومستشارين بالغرفة الثانية، دع عنك مديري مؤسسات ومقاولات عمومية، لم تنفد في حقهم العقوبات الصادرة عن المحاكم، ولا تحركت مصالح الدولة لإعمال القانون.

ما السر في ذلك؟ لا مجال للاجتهاد هنا بوجود النص. فهؤلاء جزء من منظومة فساد لها حماتها ومن يرعاها. والمنظومة إياها متغلغلة في ردهات الدولة من أبسط مستوى إداري وانتدابي، إلى مستويات عليا، بالجهات والعمالات والإدارات المحلية والمركزية وما سواها.

وهؤلاء يتخفون خلف نفوذ أحزاب لهم، تحميهم ولا تتوانى في الضغط كي لا تتم مساءلتهم فما بالك محاسبتهم. وعندما تضيق بهم الآفاق جميعا، يحولون دون تنفيذ الأحكام بضغط هنا وبابتزاز هناك، أو بالعمل على تعقيد مسطرة التنفيذ تحت هذا المبرر أو ذاك.

تستوقفنا حالة رئيس بلدية الفقيه بنصالح في هذه الحالة، لأنها تعبر عما سبق الحديث فيه. فلطالما خضع تدبير الرجل للبلدية، وطيلة 27 سنة من ترؤسه لها، لعيوب واختلالات بالجملة، وقفت عندها مفتشيات وزارة الداخلية وتقارير المجلس الأعلى للحسابات. ولطالما أشارت إليه الأصبع بشبهة الاغتناء غير المشروع، بعدما تسنى له جني ثروات ضخمة قيل إنها من فساد ومن تحايل على الصفقات العمومية ومن تطاول على ملك الغير.

ومع أن الرجل خضع لتحقيقات معمقة، لمحت جميعها فيما يبدو، إلى أن ثمة شبهات فساد، فإن يد العدالة لم تطله، وبقي حرا طليقا، يمارس "مهامه البرلمانية" كنائب عن حزب ذهب حد ترشيحه لرئاسة لجنة "العدل والتشريع وحقوق الإنسان" بالبرلمان، فتم انتخابه رئيسا بصورة هي أقرب إلى الإجماع منه إلى التحفظ أو الرفض.

من المثير للاستغراب حقا أن يدفع الرجل دفعا لتقديم استقالته من رئاسة لجنة لم ينعم بإدارة جلسة واحدة منها، فيتم استقدامه من منزله على عجل، ليمثل أمام الوكيل العام للملك بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء، ثم أمام قاضي التحقيق بنفس المحكمة، ليقتاد مباشرة للسجن في إطار مسطرة الاعتقال الاحتياطي المعمول بها اعتياديا.

من أشار إليه بتقديم استقالته من لجنة العدل والتشريع؟ لماذا تم تحريك ملفه في هذا التوقيت بالذات؟ من أشار بتحريك المسطرة في حقه؟ كيف تمت متابعته في حالة اعتقال؟ هل في الأمر نية على إحقاق العدالة في حقه أم أن الأمر لا يخرج عن إطار تصفية حسابات تأخر تسديدها؟...هل سيدان الرجل؟ هل سيتم عزله من صفته البرلمانية ومن رئاسته للبلدية؟ هل ستصادر ممتلكاته ويسجن؟...لا ندري.

هل ستتم المناداة عمن هم على شاكلة رئيس بلدية الفقيه بن صالح، المدان منهم كما الذي تحوم حوله شبهات فساد؟ هل سيتم إعمال مسطرة الاعتقال في من هم طلقاء وفي أعناقهم أحكام نافذة؟...لا ندري...

هل في الأمر انتقائية من نوع ما، الغرض منها ترهيب من "تجاوز" من الفاسدين والمفسدين، وردع من تمادى في ذلك ولم يحتسب؟...جائز...لأنه عندما نرى "ملفات" تتحدث عنها الخاصة والعامة، والدولة، فما بالك القضاء، لا يحركان ساكنا، فبالتأكيد أن ثمة شيء خطأ...قد يشارف على صفة الخطيئة في دولة تدعي التزامها بالحق والقانون...

نافذة "رأي في الشأن الجاري"

1 ماي 2023

يمكنكم مشاركة هذا المقال