تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"تحولات الهجرة في منطقة البحر الأبيض المتوسط"

 

يوسف كرسم، المركز الديموقراطي العربي، برلين، 2021، 91 ص.

يلاحظ الكاتب، ببداية هذه الدراسة، أن العقود الثلاثة الأخيرة، "شكلت مرحلة مفصلية في تاريخ العلاقات الدولية بين بلدان شمال المتوسط وبلدان جنوبه...حيث تميزت المرحلة ببداية ظهور التناقضات بين الأهداف المعلنة في مختلف السياسات الأورو/متوسطية والممارسة الواقعية. ولعل أبرز مظاهر هذا التناقض هو التركيز على حرية تنقل الخدمات والرساميل، وإقصاء حرية تنقل الأشخاص بشكل مقنن".

فبعدما كانت الهجرة تعبر عن حاجة اقتصادية واجتماعية لإعادة إعمار أوروبا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، "أصبحت الهجرة من مصادر التهديد الجديدة التي طغت نتيجة تنامي الفوارق بين ضفتيه الشمالية والجنوبية".

كل هذا أدى بالاتحاد الأوروبي إلى تبني خطاب جديد يربط بين الهجرة والأمن، تمثل فيما يسميه الكاتب بالأمننة، والتي تعتبر الصورة الأكثر تطرفا لعملية التسييس.

ويعتبر البعض، يقول الكاتب، إن انتهاء الحرب العالمية الثانية، ثم الحرب الباردة، قد أثرا كثيرا في تطور مفهوم الأمن في البحر المتوسط. فلم يعد التهديد بالنسبة للاتحاد الأوروبي قادما من الشرق، ومن الاتحاد السوفياتي تحديدا، بل من بلدان الضفة الجنوبية للمتوسط. الخطر في نظره ليس مرتبطا بالبعد العسكري، بل مرتبط بالتنمية، "لأن أمن الاتحاد الأوروبي في المنطقة المتوسطية رهين بأمن دول جنوب المتوسط...ولعل أكبر خطر أمني يهدد بلدان الضفة الشمالية هو خطر الضغط الديموغرافي في دول الجنوب"، لا سيما وأن التوزيع الديموغرافي بين الضفتين غير متوازن، إذ جنوب المتوسط هو أكثر شبابا، فيما تتوجه المجتمعات الأوروبية نحو الشيخوخة.

إن الضغط الديموغرافي ببلدان الجنوب هو الذي أفرز ما يسميه الكاتب ب"الضغط الهجروي نحو الشمال".

وعلى الرغم من "مشاريع الشراكة" التي لجأ إليها الاتحاد الأوروبي منذ بداية ثمانينات القرن الماضي، فإن النتائج كانت جد متواضعة قياسا إلى الطموحات.

لقد تم ابتداع "السياسة الأوروبية للحوار" (2003)، ثم تم إطلاق مشروع "الاتحاد من أجل المتوسط" (2007)، لكن عيب هذه المسلسلات أنها ارتكزت على "رؤية استراتيجية ذات أبعاد قيمية، تهدف إلى بناء إقليم متوسطي على مقاس القوة المعيارية الأوروبية. كما أن مبادرات الاتحاد الأوروبي لا تحركها سوى الهموم الأمنية". إذ كان الهدف الرئيسي لكل هذه المبادرات هو "خلق بيئة مناسبة اقتصاديا واجتماعيا في تلك الدول بما يقلل تدفقات الهجرة إلى أوروبا". وفي الوقت نفسه الحصول على التزامات وضمانات من دول الضفة الجنوبية لضمان عدم تدفق المهاجرين غير الشرعيين إليها".

من هنا يبرز الانتقال في الرؤية للهجرة، من زاوية سوسيو/اقتصادية في البدء إلى قضية أمنية خالصة فيما بعد.

بيد أن نمو النزاعات العنصرية دفع الساسة الأوروبيين إلى الانتقال من منطق الأمننة إلى منطق التجريم، لا سيما منذ العام 2001، وتزايد العمليات الإرهابية بهذا البلد الأوروبي أو ذاك. فتم التشديد على ولوج الفضاء الأوروبي وسنت سياسات تنسيقية بين بلدان الاتحاد في هذا الاتجاه.

وقد واكب القانون التحولات التي تطرأ على سياسات الهجرة، لكن بجهة التضييق على المكتسبات أكثر من الدفع بها وتكريسها. ثمة إذن تشديدا للقوانين (لا سيما مع انتشار ظاهرة الهجرة السرية)، لكن من منظور الهاجس الأمني والمصلحة الوطنية على حساب الحقوق الإنسانية. بالتالي، فقد باتت الترتيبات تذهب بجهة "حماية الحدود على حساب حماية الحقوق"، وهو ما جعل العديد من المهاجرين عرضة للظلم والإقصاء والتهميش، ولم تعد ثمة الكثير من سبل الحماية في ظل اتخاذ دولة ما لقرار قسري بالطرد مثلا أو بالترحيل بالقوة، لا سيما بوجه مهاجري بلدان المغرب العربي.

لكن المفارقة أن بلدان المغرب العربي انخرطت هي الأخرى في هذه المقاربة الأمنية، إذ باتت هذه البلدان بمثابة "الدركي" للحيلولة دون هجرة المغاربيين أو الأفارقة القادمين من جنوب القارة الإفريقية (اتفاقيات إعادة القبول مثلا) في حال المهاجرين العابرين لأراضيه.

بالتالي، فإن البحر المتوسط الذي كان ولعقود عدة، "مهد الحضارات وتعايش الثقافات"، قد أصبح "مقبرة للبشر"، لا سيما في أعقاب ما سمي بالربيع العربي، وما تلاه من قوارب موت. مقابل ذلك، لم تستطع بلدان الاتحاد الأوروبي لحد الساعة، بلورة سياسة هجرة متكاملة وموحدة.

نافذة "قرأت لكم"

6 أبريل 2023

يمكنكم مشاركة هذا المقال