تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"القضاء ومحاربة الفساد"

من مفارقات مغرب ما بعد دستور العام 2011، كثرة القوانين والتشريعات واللوائح التي تدفع بجهة تخليق الحياة العامة، لكنها لا تتوازى إلا بنسب ضعيفة مع واقع الفساد الذي تعيشه ذات الحياة في شكلها كما في جوهرها. تصاغ النصوص للحد من آفة الفساد، لكن هذا الأخير يزداد انتشارا وتجدرا، ولكأنها صيغت لإنعاشه لا للحد منه أو التضييق على من هم خلفه.

لا يكمن العيب هنا في النص. يكمن في مستوى العزيمة القائمة لتصريفه، وفي مدى الاحتكام إليه إذا لم يكن للحد من انتشار الآفة، آفة الفساد، فعلى الأقل لخلق البيئة التي تحجم من مفعوله وتجعل رقاب المفسدين على مقصلة المساءلة.

للقضاء، والنص القانوني من خلفه، قوة ردع هائلة. إنه بمثابة العصا الغليظة التي لا تهش أو تكتفي بالهش، بل تضرب حيثما يجب أن تضرب، ودون تمييز بين المقامات أو تمتيع الفاسدين والمفسدين بمبدأ الاستثناء، فيمعنوا في التجاوز على القانون وعدم الاكتراث بالقضاء.

لنكن مباشرين هنا كي نقول: لو كان للقانون أن يسري على الجميع، ولو كان للقضاء أن يضرب بيد من حديد على يد الفاسدين والمفسدين، لكان للردع قيمة ومقام. الردع في هذه الحالة، لن يطال فقط من تلطخت أياديهم بالمال الحرام أو تم مدها للحصول على مصلحة غير مستحقة، بل أيضا كل أولئك الذين قد تسول لهم أنفسهم النسج على ذات المنوال.

العبرة والحالة هاته، هي المعيار وهي وسيلة الردع. إذ لو كان المرتشي يدرك عاقبة ما ينتظره من عقاب، ما تمادى في سلوكه. ولو كان الموظف، بتعطيله لمصالح المواطنين بغرض ابتزازهم، يدرك أنه سيساءل ويتابع وقد يطرد، ما تجرأ على الاستمرار في ابتزازه وتجاوزه على أخلاقيات المرفق العام. ثم لو كان المرشح للانتخابات يدرك أن إغراءه للناخبين بالمال أو بالضغط المباشر، سيكلفه مقعده وقد يزج به للسجن، ما تجرأ وحمل الناس كرها وترغيبا للتصويت عليه...وهكذا.

أما وكل هؤلاء يعلمون علم اليقين، أن القانون لن يطالهم ويد العدالة لن تصلهم، فهم يمعنوا في سلوكهم جهارة، ويتحدوا القانون والقضاء دون خشية من مساءلة أو إمكانية محاسبة. ولذلك، نرى العشرات من المفسدين والفاسدين إما بالمجالس المنتخبة الترابية، أو من بين ظهراني المجالس النيابية التي تضع القوانين وتصوغ التشريعات، مع العلم بأنه لولا الفساد ما كان بمقدورهم الوصول إلى كذا مناصب ومقامات.

بالآن ذاته، لا يمر يوم دون أن نسمع عن حالات فساد بهذه الجماعة أو تلك، بهذا المجلس المنتخب أو ذاك، بهذه الإدارة المركزية أو المحلية أو تلك، لا يتوانى أصحابها في السطو على المال العام أو في توظيفه لمصالحهم الخاصة، دون أن تتم مطاردتهم أو مقاضاتهم أو الحيلولة دون عودتهم "للمشهد" ضدا على إرادة الناس.

ليس ثمة منا من لم يسمع بأن لهؤلاء متواطئين وحماة. وليس ثمة منا من لم يقرأ بأن لهؤلاء شبكات تبيض ما اسود في سلوكهم. لا بل إن ملفات بعض هؤلاء تبقى في ردهات الحاكم لسنين طويلة دون أن يبث فيها، فيطولها التقادم وتصبح ضمن خانة النسيان. قد نتكهن بالحيثيات، لكننا لا نستطيع تفهم السر في ادعاء البعض منهم بأنه "لا يخشى القضاء، لأن له به إلها يحميه".

صحيح أن بسلك القضاء بعض من فساد، وإلا ما كان لنا لنسمع عن فسادهم وإن بطريقة غير مباشرة، من خلال المحاضر التأديبية الدورية التي تصدر في حق بعضهم. وصحيح أيضا أن سلك القضاء قد يكون مجال تدخل وضغط وابتزاز. لكن كل ذلك لا يعفي القضاء، ولا يشفع له لترك الفاسدين طلقاء وفي حل من المساءلة.

ولذلك، فلا بد من ضمان استقلالية القضاء تماما عن باقي المستويات، التنفيذية منها والتشريعية، دع عنك ما نسمعه من حالات الفساد التي قد تكون أخلت بمقوماته. لو كان القضاء مستقلا في بلادنا كما يحلو للبعض أن يشيع، هل كان لنا هنا أن نطرح السؤال؟

أعود وأقول: اضمنوا للقضاء حدا أدنى من الاستقلالية، كي يكون في منأى عن الضغوطات، وسترون كيف أن الفساد سينحسر من تلقاء نفسه ويحاصر، وتعرف الحياة العامة تخليقا مباشرا وفي آماد قصيرة للغاية...جربوا فقط...

نافذة "رأي في الشأن الجاري"

20 مارس 2023

يمكنكم مشاركة هذا المقال