تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"الأمننة والديموقراطية"

لم يعد أحد بالمغرب يتحدث أو يجرأ على الحديث عن الانتقال الديموقراطي، فما بالك عن مسلسل الدمقرطة أو مآلات العملية الديموقراطية برمتها. استعيض عن كل ذلك بمفهوم مستجد هجين، يبدو في معظم مفاصله على النقيض من مفاهيم العلوم السياسية، التي ألفناها وعهدناها في الخطاب وفي الممارسة على الأرض: مفهوم الأمننة.

كان العشم العام أن تنبثق عن دستور العام 2011، الذي استتبع موجات ما سمي بالربيع العربي، طفرة سياسية حقيقية تقطع مع تعثرات الماضي، وتفسح في المجال واسعا أمام ذاك البناء الديموقراطي السليم والمستدام، الذي لطالما تم التبشير به ببداية القرن الحالي، وطال انتظاره أيضا.

ومع أن انتخابات ما بعد الدستور الجديد، قد احتكمت إليه في مخرجاتها الكبرى، وأفرزت حكومات رضي عليها وقبل بها الحاكم والمحكوم، إلا أنها لم تستطع أن تتجاوز على البعد الأمني الذي تشكل على هامشها وتقوى باستقلالية تامة عن دواليبها، لدرجة بدا معها ذات البعد ولكأنه تعبير عن جهاز داخل الجهاز، على الأقل من باب أنه لا يحتكم دائما إلى مرجعيتها أو ينصاع لمشروعيتها.

لا يمكن للعين المتأملة أن تخطئ ملاحظة أن ولاة الجهات وعمال الأقاليم، كانوا ولا يزالون هم السلطة القيمة على ما يعتمل بكل جغرافيا البلاد، لا بل هم الآمر الناهي بها مجتمعة، حتى وإن كان ما أوكل إليهم من سلط لا يتجاوز مستوى التنسيق بين المصالح الخارجية للوزارات والإدارات المركزية. لقد باتوا وأكثر من أي زمن سابق، هم الرؤساء الفعليون للمصالح الخارجية لباقي الوزارات، وهم الأوصياء على المستويات المنتخبة، في الاستثمار كما في التدبير كما في آليات الحكامة الترابية المترتبة عنها.

هم موظفون لدى الداخلية، والداخلية جزء من الحكومة، ومع ذلك فقد ساد العرف وقبل به الناس قسرا وعلى مضض، أن يكونوا ممثلين لرئيس الدولة وليس لوزير الداخلية (فما بالك للحكومة) حتى وإن خضعوا للسلطة الإدارية لهذا الأخير بحكم الدستور. ولما كان الأمر كذلك، فهم بمنطوق الصفة التي يحملون، قوامون تراتبيا على باقي المصالح، حتى جاز القول بخصوصهم بأنهم يحكمون دولا داخل الدولة الواحدة، ببشرها وبجغرافيتها، بقوانينها وبأعرافها.

من نافلة القول أن يقوموا على وظيفتهم التنسيقية بالجهة وبالإقليم، لكنهم محكومون مع ذلك ولربما على أساسه، بالمنطق الأمني الذي يلازمهم "فطريا"، حتى وإن ادعى البعض منهم أن الأمن هو جزء من عمل أوسع وأشمل، هم سنده ورعاته.

من الطبيعي والحالة هاته، أن يقدموا البعد الأمني على ما سواه، لا بل لا يمكنهم القبول بما قد يكون استثمارا أو إنتاجا أو مبادرة، إذا لم يستوف "الشرط الأمني" الثابت والقار، يحتكم إليه ويشتغل في إطاره، أو في إطار التصور القائم عليه.

ما أسميناه هنا بالأمننة، إنما هو مسلسل ينهل من هذا البناء المؤسساتي الذي يجعل من وزارة الداخلية بكل أذرعها المركزية والترابية، الحلقة الأقوى في سلسلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية، والعنصر الأقوى في الدفع بذات الحلقة أو تحجيمها وتلجيمها، ولربما أيضا تحديد وتيرتها حسب ما ترتئيه. الأمننة ستكون بالقطع رديفا للركود وتعميق الهشاشة، لا سيما لو أدركنا أن الولاة والعمال ليسوا جهة منتخبة، ولا هم مكبلون بعهدة تستوجب منهم دوريا وبانتظام، "تقديم الحساب" للناس.

ما يصدق على هذا البناء المؤسساتي الترابي، يصدق أيضا لدى مراجعتنا للمقاربة العامة التي تتم بالمركز، ولا سلطة لأحد على مناقشتها أو الإشارة إليها أو تفكيك عناصر ضعفها. نراجع هنا مروية أن الأمن هو أساس الاستقرار. وهذا صحيح في جزء منه فقط، إذ لا يمكن أن نبني على الوصفة التقنية الضيقة، لنخلص إلى تصور عام يتحول الأمن بمقتضاه إلى منهج وأداة حكامة.

الأمن قد يفرز الاستقرار، لكن الأمننة قد تضر به، وتصبح عائقا أمام حركة الاستثمار والإنتاج وحركة السلع والخدمات وتنقل البشر. الأمننة هنا تضييق وتحجيم، حتى وإن بدت بالمدى القصير، ناجعة لضبط حركية الاقتصاد والمجتمع. لنا بهذه الجزئية أن نلاحظ تشديد القبضة الأمنية خلال جائحة كورونا، وكيف تسنى لهذه القبضة أن تسود وتستمر حتى بعد الرفع العملي والفعلي لحالة الطوارئ.

ثم إن الأمننة هي حجر مباشر على الحقوق والحريات، الفردية منها والجماعية، لا سيما على الحقوق والحريات السياسية والإعلامية. بهذه الجزئية أيضا، من النادر أن يتطلع الفاعل "الترابي" للاقتراب من ممثلي الداخلية بالمركز أو بالجهات، وإلا فهو "التجاوز" الذي قد يودي بصاحبه، أو يؤدي به صوبا نحو التهلكة، حتى وإن كان في الأمر ما لا يستاهل ذلك حقا.

 إذا لم يكن الأمر كذلك، فلننظر في التحرش العنيف الذي يتعرض له رئيس بلدية إيموزار كندر بالأطلس مثلا، لنتأكد كيف أن مجرد الإشارة بالأصبع لعامل الإقليم، قد جرت على المنتخب إياه، متابعة لن يسلم قطعا من تبعاتها، لا في وضعه الاعتباري ولا في مقامه كمنتخب جاء به صندوق الاقتراع.

دعوى عامل صفرو ضد مصطفى لخصم، ليست رسالة عابرة من شخص معين لمسؤول منتخب، بل هي رسالة موجهة لكل من يتجرأ على الاقتراب من الجهة القائمة والمؤتمنة على الأمننة...أي على التخويف والترهيب...لذلك، فهي "رسالة عبرة" لمن لا يريد أن يعتبر أو تأخر في ذلك...

نافذة "رأي في الشأن الجاري"

6 مارس 2023

يمكنكم مشاركة هذا المقال